القضاء الاستعجالي والأوامر على العرائض
اختصاص قاضي الأمور المستعجلة وطبيعة أوامره المؤقتة وصلاحيات رئيس المحكمة والمئونة، واستدعاء الخصم وتأجيل القضية للتشكيلة، وتنفيذ الأوامر الاستعجالية والطعن فيها، ثم الأوامر على العرائض: الحالات والشكليات وعريضة المعاينة والاستئناف والرجوع في الأمر - المواد 232 إلى 246.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■من هو قاضي الأمور المستعجلة ومتى تُرفع القضية إليه (المادة 232).
- ■طبيعة الأوامر الاستعجالية: قرارات مؤقتة لا تمس بأصل الحق (المادة 233).
- ■الصلاحيات الاستعجالية لرئيس المحكمة: التحفظ، إعادة الوضع، وقف العمل غير المشروع، والمئونة (المادة 234).
- ■استدعاء الخصم وتأجيل القضية للتشكيلة والإجراءات التحقيقية بالاتفاق (المادتان 236 و237).
- ■تنفيذ الأوامر الاستعجالية والطعن فيها في ثمانية أيام (المادة 238).
- ■الأوامر على العرائض: الحالات، الشكليات، المعاينة، الاستئناف والرجوع في الأمر (المواد 240 إلى 246).
أولاً: اختصاص قاضي الأمور المستعجلة وطبيعة أوامره (المادتان 232 و233)
نص المادة 232: "في جميع حالات الاستعجال، أو إذا ما أريد البت مؤقتاً في الصعوبات المتعلقة بتنفيذ سند تنفيذي أو حكم، فإن القضية ترفع إلى رئيس المحكمة المختص بوصفه قاضي الأمور المستعجلة."[1]
نص المادة 233: "إن أوامر القضاء الاستعجالي هي قرارات مؤقتة تصدر بناءً على طلب طرف بحضور الطرف الآخر أو استدعائه، في الحالات التي يعطي فيها القانون للقاضي المتعهد بالبت في الأصل الأمر فوراً باتخاذ الإجراءات الضرورية. ولا تبت الأوامر الصادرة في الأمور المستعجلة إلا مؤقتاً ودون المساس بما سيتقرر في الأصل."[2]
القاضي: قاضي الأمور المستعجلة هو رئيس المحكمة المختص بنفسه - لا قاضٍ آخر. متى يرفع إليه الأمر؟ في حالتين: (1) جميع حالات الاستعجال (خطر يحتم السرعة)؛ (2) البت مؤقتاً في صعوبات تنفيذ سند تنفيذي أو حكم.
طبيعة أوامره: قرارات مؤقتة - تصدر بناءً على طلب طرف، بحضور الطرف الآخر أو بعد استدعائه (مبدأ المواجهة محفوظ)، ولا تبت إلا مؤقتاً دون المساس بما سيتقرر في الأصل - أي أن قاضي الأصل يبقى حراً في حسم الحق نهائياً.
لأن العدالة المتأخرة عدالة ناقصة: انتظار جلسة عادية في النزاعات ذات الخطر القريب قد يجعل الحكم بلا قيمة (هدم مبنى، إتلاف بضاعة، انقطاع منفعة). فجاء القاضي الاستعجالي ليقوم بإجراءات فورية تحفظ الحقوق مؤقتاً، على أن يبقى القاضي الأساسي هو من يحسم النزاع - فلا يتدخل المستعجل في أصل الحق.
ثانياً: صلاحيات رئيس المحكمة الاستعجالية (المادة 234)
نص المادة 234: "يمكن لرئيس المحكمة - حتى مع وجود اعتراض مؤسس - أن يأمر بصفة استعجالية بكافة الإجراءات التحفظية التي يراها ضرورية، أو إعادة الأمور إلى وضعها لدرء ضرر يوشك أن يقع، أو وقف عمل غير مشروع. وإذا كان الالتزام أكيداً وغير قابل للتشكيك فيه، يجوز لرئيس المحكمة أن يأمر بمئونة لصالح الدائن. وتمتد صلاحيات رئيس المحكمة المذكورة إلى كل المسائل الاستعجالية التي لم تنظمها إجراءات خاصة."[3]
- ■الإجراءات التحفظية الضرورية (وضع تحت الحراسة، حجز تحفظي...) - وحتى مع وجود اعتراض مؤسس: فالاستعجال يعلو على المناقشة الأولية.
- ■إعادة الأمور إلى وضعها لدرء ضرر يوشك أن يقع (كوقف تغيير معالم عقار قبل النزاع).
- ■وقف عمل غير مشروع (كبناء مخالف يهدد الجيران).
المئونة: إذا كان الالتزام أكيداً وغير قابل للتشكيك فيه (لا منازعة جدية)، يجوز لرئيس المحكمة أن يأمر بمئونة لصالح الدائن - مبلغ مؤقت يُدفع له انتظاراً لحكم الأصل. وأخيراً: صلاحياته عامة فتشمل كل مسألة استعجالية لم تنظمها إجراءات خاصة.
يمنع الجارُ جارَه من إتمام قناة صرف تهدد أساسات منزله، وينكر الجارُ الخطر. فيستعجل المتضرر رئيس المحكمة، فيأمر بوقف العمل (وقف عمل غير مشروع) حتى يفصل قاضي الأصل - رغم اعتراض الجار المؤسس شكلاً - لأن الخطر يوشك أن يقع.
ثالثاً: استدعاء الخصم وتأجيل القضية للتشكيلة (المادتان 236 و237)
نص المادة 236: "يأمر القاضي - إذا رأى ذلك ضرورياً - باستدعاء الخصم لجلسة تعقد لهذا الغرض، ويقع هذا الاستدعاء طبقاً للشروط المنصوص عليها في المادة 65 وما بعدها. ويتأكد القاضي من مرور وقت كاف بين التكليف بالحضور والجلسة لتمكين الطرف المستدعى من تحضير دفاعه."[4]
نص المادة 237: "لقاضي الأمور المستعجلة الحق في تأجيل القضية الاستعجالية لعرضها على تشكيلة المحكمة في جلسة يحدد تاريخها. وإذا نشأت بين أشخاص صعوبات من شأنها أن تؤول إلى نشوب نزاع بينهم، يجوز لقاضي الأمور المستعجلة - في حالة ما إذا طلب منه ذلك باتفاق - أن يقرر اتخاذ كل الإجراءات التحقيقية اللازمة لحل النزاع المحتمل."[5]
الاستعجال لا يعني سحق حق الدفاع: إذا رأى القاضي ضرورة، يستدعي الخصم للجلسة وفق قواعد التكليف بالحضور (المادة 65)، ويجب أن يمر وقت كاف بين التكليف والجلسة لتحضير الدفاع. وللقاضي أيضاً خياران مرنان:
- ■تأجيل القضية الاستعجالية لعرضها على تشكيلة المحكمة (عند ثقل النقاش).
- ■إذا نشأت صعوبات تؤول إلى نزاع محتمل، وبطلب باتفاق الطرفين، يجوز له اتخاذ إجراءات تحقيقية (خبرة، شهود...) لتحضير حل النزاع المحتمل - قضاء وقائي استباقي.
رابعاً: تنفيذ الأوامر الاستعجالية والطعن فيها (المادة 238)
نص المادة 238: "تنفذ الأوامر الاستعجالية بصفة مؤقتة دون تقديم أي كفالة ما عدا إذا أمر القاضي بخلاف ذلك. وهي قابلة للطعن بالمعارضة والاستئناف. ويقام بالطعن بالاستئناف في أمد ثمانية أيام من تاريخ تبليغ الأمر الاستعجالي، وتبت محكمة الاستئناف بصفة استعجالية. ويجوز للقاضي في حالة الضرورة القصوى أن يقرر تنفيذ أمره الاستعجالي وهو لا يزال على شكل مسودة. وتمارس المحكمة العليا سلطتها الرقابية في شرعية القرارات النهائية في المواد الاستعجالية."[6]
- ■التنفيذ الفوري: تُنفذ الأوامر بصفة مؤقتة دون أي كفالة، ما لم يأمر القاضي بخلاف ذلك - فالتعليق على كفالة يقتل الاستعجال.
- ■الطعن: تقبل المعارضة والاستئناف، وأجل الاستئناف ثمانية أيام من تبليغ الأمر، وتبت محكمة الاستئناف بصفة استعجالية (سرعة في الدرجة الثانية أيضاً).
- ■الضرورة القصوى: يجوز تنفيذ الأمر وهو على شكل مسودة - قبل تحريره وتوقيعه نهائياً - لأن التأخير في التوثيق قد يهدر الاستعجال.
- ■الرقابة العليا: المحكمة العليا تراقب شرعية القرارات النهائية في المواد الاستعجالية بالنقض.
لأن شرط الكفالة يتعارض مع سرعة التدخل - فقد لا يملك الطرف المستعجل مالاً حاضرا ًلكنه يملك حقاً مهدداً. وبما أن الأمر مؤقت وقابل للطعن وتصحح المحكمة الأصلية الوضع لاحقاً، اكتفى المشرع بالضمانات الإجرائية، تاركاً فرض الكفالة لتقدير القاضي عند الحاجة.
خامساً: الأوامر على العرائض - الحالات والشكليات (المواد 240 إلى 242)
نص المادتين 240 و241: "في كل الحالات المقررة في القانون يجوز لرئيس المحكمة أن يصدر أوامر على العرائض في حدود اختصاصه. وخارج هذه الحالات، وفي حالة خطر محدق، يجوز لرئيس المحكمة أن يصدر أوامر على العرائض ليأمر بكافة الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على الحقوق والمصالح التي لا يجوز تركها دون حماية، إذا كانت الظروف تتطلب ألا تتخذ حضورياً. وإذا كانت العريضة تتعلق بقضية منشورة فإن رئيس المحكمة المتعهدة مختص بالنظر فيها."[7]
نص المادة 242: "تقدم العريضة في نسختين، ويجب أن تكون مسببة. وإذا كانت مقدمة بمناسبة دعوى منشورة فإنها يجب أن تبين المحكمة المتعهدة. وفي حالة الاستعجال يجوز تقديم العريضة في منزل القاضي. ويجب أن يكون الأمر على العريضة مسبباً، وهو نافذ بمجرد تقديم مسودته."[8]
الأمر على العريضة يُصدر دون حضور الطرف الآخر ولا استدعائه - بموجب عريضة يقدمها طالب الأمر وحده. ومتى يجوز؟ في الحالات المقررة قانوناً، وخارجها في حالة خطر محدق يتطلب التدخل دون إعلام (حتى لا يفسد الخصم التدبير). والشكليات:
- ■العريضة في نسختين، مسببة، وتبيّن المحكمة المتعهدة إذا تعلقت بدعوى منشورة.
- ■في الاستعجال الشديد يجوز تقديمها في منزل القاضي.
- ■الأمر مسبب (يجب تعليل إصداره من جانب واحد)، ونافذ بمجرد تقديم مسودته - السرعة قبل التوثيق.
الأمر على العريضة استثناء من مبدأ المواجهة (سماع الطرفين) - لذلك قيّده المشرع بشروط: خطر محدق، عريضة مسببة، أمر مسبب، وقابلية الرجوع فيه في أي وقت (سترى ذلك في الفقرة السابعة) - حتى لا يُستعمل سلاحاً مفاجئاً على الخصم بغير مبرر.
سادساً: عريضة المعاينة (المادة 243)
نص المادة 243: "إذا تعلق الأمر بعريضة تهدف إلى معاينة، فإن كاتب الضبط المكلف بالمعاينة يعطي إشعاراً إلى المدعى عليه المحتمل بورقة عدل منفذ أو برسالة مضمونة الوصول بالأيام والساعات المحتملة التي سيقوم فيها بالمعاينة المطلوبة، ما لم يأمر القاضي بخلاف ذلك. ويذكر بإيجاز في محضر المعاينة أقوال وملاحظات المدعى عليه المحتمل أو وكيله. وإذا كانت المعاينة المطلوبة لا يمكن أن يقوم بها بصفة مفيدة إلا شخص متخصص، فإن المحكمة تعين خبيراً تكلفه بذلك، وتطبق مقتضيات الفقرتين الأوليين على معاينة الخبير."[9]
المعاينة هي تدبير إثبات مسبق: يثبت فيها كاتب الضبط حالة أشياء أو أماكن (كعيب بناء، كمية بضاعة) قبل أن تضيع الأدلة. وتشمل الضمانات:
- ■إشعار مسبق للمدعى عليه المحتمل بورقة عدل منفذ أو برسالة مضمونة الوصول بالأيام والساعات المحتملة - ما لم يأمر القاضي بخلاف ذلك.
- ■تُذكر أقوال وملاحظات المدعى عليه أو وكيله بإيجاز في محضر المعاينة (حضور أو استفادة من حقه في الملاحظة).
- ■إذا تطلب الأمر تخصصاً فني (هندسة، محاسبة...)، تعين المحكمة خبيراً يخضع لنفس قواعد الإشعار والمحضر.
سابعاً: الاستئناف والرجوع في الأمر (المواد 244 إلى 246)
نص المادة 244: "إذا لم تتم الاستجابة للعريضة، جاز القيام باستئناف خلال ثمانية أيام من صدور قرار القاضي."[10]
نص المادتين 245 و246: "يجوز للقاضي في جميع الحالات الرجوع في الأوامر على العرائض التي أصدرها، حتى ولو كان القاضي المختص بالأصل قد تعهد. ويجب على الطرف الذي يطلب الرجوع في أمر أن يقدم عريضة تبلغ مسبقاً إلى الطرف الآخر بواسطة عدل منفذ خلال الأيام الثمانية التي تلي علمه بها، وتحتوي على الإعلان المقدم أمام القاضي الذي أصدر الأمر المذكور. ويجب أن يكون الأمر الذي يبت في طلب الرجوع مسبباً. ولا يكون لعريضة الرجوع أثر توقيفي للتنفيذ. وتنفذ الأوامر على العرائض دون تأخير من طرف العدول المنفذين بمجرد تقديمها لهم من الطرف المعني، ويجب أن يتضمن محضر التنفيذ نص العريضة ونص الأمر."[11]
- ■عند الرفض: إذا لم يستجب القاضي للعريضة، يستأنف الطالب خلال ثمانية أيام من صدور قرار القاضي.
- ■الرجوع في الأمر: يجوز للقاضي في جميع الحالات الرجوع في أوامره على العرائض - حتى لو تعهد قاضي الأصل - فيطلب الطرف المتضرر الرجوع بعريضة تبلغ مسبقاً للطرف الآخر بواسطة عدل منفذ خلال ثمانية أيام من العلم، ويبت القاضي بطلب الرجوع بقرار مسبب (وهنا تعود المواجهة الكاملة).
- ■لا توقيف: عريضة الرجوع لا توقف تنفيذ الأمر - فالتنفيذ جارٍ حتى يصدر قرار الرجوع.
- ■التنفيذ: تنفذ الأوامر دون تأخير بمجرد تقديمها للعدول المنفذين، ويجب أن يتضمن محضر التنفيذ نص العريضة ونص الأمر - فمنفَّذ عليه يفهم ما ينفذ وما سبب.
لأن الأمر على العريضة وُجد للسرعة، فلو كانت عريضة الرجوع توقف التنفيذ، كانت كل عريضة رجوع وسيلة مماطلة مجانية تعطل التدبير الوقائي. فالتنفيذ يمضي، ويأتي قرار الرجوع بعدها ليعيد الأمور - بينما المتضرر يبقى محمياً بقدرته على الرجوع السريع (8 أيام) أمام القاضي نفسه.
يجب أن تكون تعلمت في هذا الدرس
- ■قاضي الأمور المستعجلة هو رئيس المحكمة المختص، وتُرفع إليه القضية في جميع حالات الاستعجال أو للبت مؤقتاً في صعوبات تنفيذ سند تنفيذي أو حكم.
- ■الأوامر الاستعجالية قرارات مؤقتة تصدر بحضور الطرف الآخر أو استدعائه، ولا تمس بما سيتقرر في الأصل.
- ■لرئيس المحكمة - حتى مع وجود اعتراض مؤسس - الأمر بالإجراءات التحفظية أو إعادة الأمور إلى وضعها لدرء ضرر أو وقف عمل غير مشروع، والمئونة لصالح الدائن عند التزام أكيد غير قابل للتشكيك.
- ■استدعاء الخصم بمرور وقت كاف، وتأجيل القضية للتشكيلة، والإجراءات التحقيقية للتحضير لنزاع محتمل بطلب باتفاق الطرفين.
- ■الأوامر الاستعجالية تنفذ مؤقتاً دون كفالة، وتقبل المعارضة والاستئناف في ثمانية أيام، وتبت محكمة الاستئناف بصفة استعجالية، وتنفذ في الضرورة القصوى ولو على شكل مسودة.
- ■الأوامر على العرائض تصدر في الحالات المقررة أو في خطر محدق بعريضة مسببة في نسختين، ويجوز تقديمها في منزل القاضي، وتكون مسببة ونافذة بمجرد تقديم مسودتها.
- ■معاينة كاتب الضبط بإشعار المدعى عليه المحتمل بورقة عدل منفذ أو رسالة مضمونة، وذكر أقواله في المحضر، وتعيين خبير للمعاينة المتخصصة.
- ■الاستئناف عند عدم الاستجابة خلال ثمانية أيام، والرجوع في الأمر بعريضة تبلغ مسبقاً خلال ثمانية أيام من العلم بقرار مسبب دون أثر توقيفي، والتنفيذ دون تأخير بمحضر يتضمن نص العريضة والأمر.

