الاختصاص الترابي والدولي للمحاكم الموريتانية
القاعدة العامة لمحكمة موطن المدعى عليه، واستثناءات العقارات والتركات والتأمين، والطلبات العارضة، وبطلان الاتفاقات المخالفة للاختصاص الترابي، والاختصاص الدولي للمحاكم الموريتانية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■القاعدة العامة: محكمة الموطن الأصلي للمدعى عليه، والبدائل عند غيابه أو إقامته بالخارج.
- ■تعدد المدعى عليهم: خيار المدعي بين مواطنهم.
- ■الاستثناءات: العقارات (موقع العقار)، التركات (حلول التركة)، نزاعات التأمين.
- ■اختصاص المحكمة الأصلية بالطلبات العارضة وطلبات الضمان.
- ■بطلان الاتفاق المخالف للاختصاص الترابي واستثناء التجار.
- ■الاختصاص الدولي للمحاكم الموريتانية في مواجهة المواطنين والأجانب.
أولاً: الاختصاص الترابي
1. القاعدة العامة
يكون الاختصاص الترابي لمحكمة الموطن الأصلي للمدعى عليه أو لمحكمة محل إقامته. إذا لم يكن له موطن أصلي أو محل إقامة معروف أو إذا كان يقطن أو يقيم خارج موريتانيا فإن الاختصاص يكون لمحكمة الموطن الأصلي أو محل إقامة المدعي، أو إذا كان المدعي يقيم في الخارج فللمحكمة المختصة بنواكشوط. إذا تعدد المدعى عليهم فللمدعي الخيار في رفع دعواه أمام محكمة موطن أو محل إقامة أي منهم[1].
مبدأ عالمي: المدعي يتبع المدعى عليه - ترفع الدعوى حيث يعيش من ستطالبه، لا حيث يعيش من يطالب. المنطق: المتهم/المطلوب منه الحق أولى بالحماية من أن يُسحب إلى محكمة بعيدة عن مقر حياته (تكلفة ومشقة)، وليتمكن من الدفاع بسهولة. وإذا تعذر تحديد موطنه أو كان بالخارج، انتقلت القاعدة للمدعي: دعواه حيث موطنه - وإن كان هو أيضاً بالخارج، فمحكمة نواكشوط (العاصمة ملاذ الاختصاص الأخير). وتعدد المدعى عليهم يوسع الخيار: المدعي يختار محكمة أي واحد منهم.
2. استثناءات القاعدة العامة
استثناء من أحكام المادة 29، ترفع الدعاوى في: (١) القضايا العقارية إلى المحكمة التي بدائرتها يقع العقار المتنازع عليه (٢) القضايا العقارية المختلطة إلى المحكمة التي بدائرتها يقع العقار أو إلى تلك التي بدائرتها موطن المدعى عليه (٣) النزاعات المتعلقة بالتركة إلى المحكمة التي بدائرتها حلت التركة[2].
لأن العقار غير قابل للنقل: حكمه يحتاج معاينة الأرض، فحص الحدود، الاطلاع على السجلات العقارية المحلية، وتنفيذ القرار عليها - وكلها تتيسر حيث يقع العقار. فمحكمة الموقع هي "الأعرف والأقدر" على الحكم في نزاع أرضها. أما "العقارية المختلطة" (نزاع على حق مع ثمن: عقد بيع أرض) فأُعطي الخيار: موقع العقار أو موطن المدعى عليه. والتركة (تركة المتوفى) تُفصل حيث انفتحت - حيث أقام المتوفى عادةً، حيث تسهل حصر أمواله وورثته.
في نزاعات التأمين ترفع القضايا إلى المحكمة التي بدائرتها مقر المستفيد من التأمين، إلا إذا تعلق الأمر بعقارات فلمحكمة موقع الأشياء المؤمنة. في التأمينات ضد الحوادث يكون الاختصاص لمحكمة موطن المصاب أو مقر المستفيد أو موقع الحادث[3].
في التأمين انقلبت القاعدة لصالح المؤمَّن له/المستفيد - الطرف الضعيف في عقد التأمين: الدعوى ترفع حيث مقره، لا حيث مقر شركة التأمين (التي قد تكون في العاصمة وحدها). فالمؤمَّن له لا يُسحب لمحكمة بعيدة. وفي التأمين ضد الحوادث توسع أكبر: ثلاثة أماكن - موطن المصاب، مقر المستفيد، أو موقع الحادث (الأنسب للمصاب: قرب محكمة موقع الحادث يسهل إثباته). وإذا كان المؤمَّن عليه عقاراً، فحيث يقع العقار - تبعاً لقاعدة العقارات.
3. الطلبات العارضة وطلبات الضمان
تختص المحكمة التي تبت في الطلب الأصلي بالنظر في طلبات الضمان والطلبات العارضة والتدخلات والطلبات الفرعية[4].
مبدأ "جاذبية الطلب الأصلي": كل ما يتفرع عن الدعوى الأصلية يُنظر فيه من المحكمة نفسها - الضمان (المدعى عليه يستدعي ضامناً ليحمل عنه)، العارضات (طلبات جديدة بين نفس الأطراف مرتبطة بالأصل)، التدخلات (طرف ثالث يدخل الدعوى)، الفرعيات. الحكمة: وحدة النزاع عند قاضٍ واحد - لا تتشعب القضية بين محاكم متعددة، فينقض الحكم المتناقض أو يفوت الاحتياط في الاحتمالات.
4. بطلان الاتفاقات المخالفة للاختصاص الترابي
كل شرط يخالف قواعد الاختصاص الترابي يعتبر لاغياً إلا إذا تم الاتفاق عليه بين أشخاص تعاقدوا بصفتهم تجاراً وتم توضيح ذلك بصفة ظاهرة[5].
الأصل: شروط الاختصاص الترابي نظام عام - شرط في عقد يقول "نختصم في محكمة كذا رغم القاعدة" لاغٍ تلقائياً (لا يمكن للقوي إجبار الضعيف على محكمة بعيدة). لكن استثناء التجار: إذا تعاقد تاجران بصفتها التجارية واتفقا بوضوح ظاهر على محكمة معينة - فالاتفاق صحيح: التجار متساوون في الحنكة والتفاوض، فاحترمت إرادتهم. القاعدة تحمي الضعيف، ولا تحمي تاجراً خبيراً تنازل طوعاً.
ثانياً: الاختصاص الدولي للمحاكم الموريتانية
باستثناء النزاعات المتعلقة بعقار كائن خارج موريتانيا، تنظر المحاكم الموريتانية في: (١) الدعاوى الموجهة ضد مواطن موريتاني حتى ولو كان لا يقطن في موريتانيا (٢) الدعاوى المرفوعة ضد أجنبي أو عديم جنسية قاطن أو مقيم في موريتانيا (٣) الدعاوى التي يتفق الأطراف على اختصاص المحاكم الموريتانية فيها (٤) الدعاوى المتعلقة بدين نشأ أو يجب تنفيذه في موريتانيا[6].
أربعة أسباب تفتح أبواب المحاكم الموريتانية للدعاوى ذات البعد الدولي: جنسية المدعى عليه - الموريتاني يُقاضى أمام قضاته ولو عاش في باريس (القضاء يلازم مواطنه)؛ إقامة الأجنبي - من يقيم في موريتانيا يخضع لقضائها؛ اتفاق الأطراف - إرادة الخصوم تختار قضاء موريتانيا؛ مكان الدين - دين نشأ أو واجب الأداء في موريتانيا: قضاؤها الطبيعي هو الذي يعرف سياقه. الاستثناء الوحيد: عقار في الخارج - يتبع العقار قضاء موقعه لا قضاء الجنسية.
تنظر المحاكم الموريتانية في النزاعات المرفوعة ضد الأجنبي أو عديم الجنسية الذي يقطن أو يقيم خارج التراب الموريتاني إذا تعلقت بـأموال موجودة في موريتانيا أو التزام أبرم في موريتانيا أو يجب تنفيذه بها، أو بطلب طلاق أو فسخ زواج إذا كان الطلب مقدماً من أحد زوجين أجنبيين أو عديمي جنسية يقطنان في موريتانيا[7].
لأن هناك روابط فعلية تربط النزاع بالتراب الموريتاني رغم إقامة المدعى عليه في الخارج: أموال له في موريتانيا (سحبها وتنفيذ الحكم عليها يقتضي قضاءها)، التزام أبرم أو ينفذ فيها (العقد وُلد هنا فقضاؤها أعرف به)، والحالة الخاصة للزوجين الأجنبيين المقيمين: زوجان أجنبيان يعيشان في نواكشوط يريد أحدهما الطلاق - لا يترك لمحكمة بلدهما البعيدة، فقضاء الإقامة الفعلية ينظر الطلب. مبدأ الروابط: القضاء يختص حيث توجد مصالح النزاع الفعلية.
يقتضي اختصاص المحاكم الموريتانية في طلب أصلي اختصاصها بالنظر في الإجراءات التحضيرية والطلبات العارضة وكل طلب آخر مرتبط[8].
تاجر فرنسي يقطن في باريس يملك محلاً تجارياً في نواكشوط، استأجره موريتاني وامتنع عن أداء الكراء: رفع المؤجِّر دعواه في نواكشوط - العقار والأموال والالتزام (عقد الإيجار أبرم في موريتانيا) كلها روابط تفتح الاختصاص الدولي. كما رفع أحد الدائنين دعوى ضد مواطن موريتاني يقيم في السنغال: القاعدة الأولى (جنسية المدعى عليه) تفتح محاكمنا. وفي كلتا الدعويين، نظرت المحكمة في الطلبات العارضة والتحضيرية المرتبطة. أما نزاع على عقار في داكار، فلمحاكم السنغال وحدها.
المدعي يتبع المدعى عليه (موطنه الأصلي أو محل إقامته) + غياب الموطن → محكمة المدعي + المدعي بالخارج → نواكشوط + تعدد → الخيار + عقارات: موقع العقار، مختلطة: خيار، تركة: محل حلولها + تأمين: مقر المستفيد/موطن المصاب/موقع الحادث + طلبات عارضة وضمانات: محكمة الأصل + اتفاق الترابي لاغٍ إلا بين تجار ظاهراً + دولي: جنسية المدعى عليه، إقامة الأجنبي، اتفاق الأطراف، مكان نشوء الدين، أموال وروابط بالتراب + لا اختصاص في عقار بالخارج.
خلاصة الدرس - يجب أن تكون تعلمت:
- ■القاعدة العامة: محكمة الموطن الأصلي أو محل إقامة المدعى عليه، وبمحكمة المدعي عند غيابها، وبنواكشوط إذا كان بالخارج.
- ■تعدد المدعى عليهم: خيار المدعي بين محاكم مواطنهم.
- ■الاستثناءات: العقار لموقع العقار، والمختلطة لموقع العقار أو موطن المدعى عليه، والتركة لمحل حلولها.
- ■نزاعات التأمين: مقر المستفيد، ومحكمة موطن المصاب أو مقر المستفيد أو موقع الحادث للتأمين ضد الحوادث.
- ■المحكمة الأصلية تختص بالطلبات العارضة والضمان والتدخلات والفرعيات.
- ■بطلان الشروط المخالفة للاختصاص الترابي، واستثناء الاتفاق الظاهر بين التجار.
- ■الاختصاص الدولي: جنسية المدعى عليه، إقامة الأجنبي، اتفاق الأطراف، مكان نشوء الدين، وأموال والتزامات مرتبطة بالتراب - واستثناء العقار الخارجي.

