التعبير عن الإرادة: عيوب الرضا
الرضا ركن أساسي في الالتزام: يصح إذا صدر عن إرادة حرة واعية. وعيوب الرضا - الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال - تجعل العقد قابلاً للإبطال (المواد 60-71).
في هذا الدرس ستتعلم
- ■مفهوم الرضا والتعبير عن الإرادة في تكوين الالتزام.
- ■الغلط: تعريفه وأنواعه وأحكامه وأثره في الإبطال.
- ■التدليس: تعريفه وأركانه (الحيلة، القصد، التأثير في الرضا).
- ■الإكراه: تعريفه وأنواعه وشروطه (غير المشروع، الحاسم).
- ■الاستغلال: تعريفه وشروطه.
- ■أثر عيوب الرضا: البطلان النسبي وكيفية إثباته.
أولاً: الرضا والتعبير عن الإرادة
الرضا هو اتجاه إرادة الشخص إلى إحداث أثر قانوني، ويتم التعبير عنه بلفظ أو كتابة أو إشارة أو سلوك يفيد المقصود. والمبدأ العام: يصح الالتزام إذا صدر الرضا عن إرادة حرة واعية، ويكون قابلاً للإبطال إذا شابه عيب من عيوب الرضا.
المادة 60 (المبدأ العام): "يكون قابلاً للإبطال الرضا الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس أو المنتزع بإكراه."[1]
العيوب الثلاثة الأصلية: النص حصر صراحة ثلاثة عيوب تُخوّل الإبطال: الغلط (تصور خاطئ)، التدليس (خداع)، الإكراه (إجبار) - ويضيف إليها الفقه والقضاء الاستغلال (استغلال ضعف المتعاقد).
الأثر: العقد الذي يشوبه عيب رضا لا يبطل من تلقاء نفسه، بل يكون قابلاً للإبطال لمصلحة من وقع العيب في رضاه.
ثانياً: الغلط
الغلط هو تصور خاطئ لواقع أو لقاعدة قانونية دفع المتعاقد إلى التعاقد. وتعالجه النصوص التالية:
من المواد 61-62: "العقد المبني على جهل عاقده لما له من الحق يجوز فيه الإبطال..."، و"يخول الغلط الإبطال إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة جوهرية [فيه]"[2]
من المواد 63-65: "الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضا..."، و"مجرد الأخطاء المادية الواضحة لا تكون سبباً للفسخ وإنما تصحح"، و"على القضاة عند تقدير الغلط أو الجهل... أن يراعوا ظروف الحال وسن الأشخاص وحالتهم".[3]
ترك المشرع للقاضي تقدير جسامة الغلط وأثره مع وجوب مراعاة ظروف الحال وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكوراً أو إناثاً (المادة 65) - أي معيار شخصي مرن لا معيار مجرد ثابت.
ثالثاً: التدليس
من المواد 66 و72: "التدليس يخول الإبطال إذا كانت الحيل أو الكتمان التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حداً بحيث لولاه لما تعاقد الطرف الآخر. والتدليس الذي يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع إلى التحمل به لا يمنح إلا الحق في التعويض."[4]
- ■الحيلة أو الكتمان: وسائل خادعة من إيهام بالكذب أو إخفاء العيوب - ويشمل السكوت عن عيب جوهري في بعض الحالات.
- ■القصد: نية تضليل المتعاقد - فلا يكفي مجرد المبالغة التجارية.
- ■التأثير في الرضا: أن يصل التدليس حداً لولاه لما تعاقد الطرف الآخر - أي أن يكون محدداً للرضا لا مجرد محرك له.
بائع سيارة أخفى عيباً ميكانيكياً جوهرياً (كتمان) قاصداً إتمام البيع، فلو علم به المشتري لما اشترى: التدليس محدد للرضا فيبطل العقد. أما إذا بالغ البائع في وصف سيارة سليمة (دعاية مبالغ فيها) فليس تدليساً موجباً للإبطال.
رابعاً: الإكراه
من المواد 67-71: "الإكراه هو إجبار شخص شخصاً آخر، بدون حق، على أن يعمل عملاً بدون رضاه. والإكراه لا يخول إبطال الالتزام إلا [إذا كان من شأنه تهديد سلامة الشخص أو ماله...]".[5]
من المواد 69-71: "الخوف الناتج عن التهديد بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات [القانونية]... والإكراه يخول إبطال الالتزام وإن لم يباشره المتعاقد الذي وقع الاتفاق لمنفعته، ولو وقع على شخص يرتبط عن قرب مع المتعاقد... والخوف الناشئ عن الاعتبار لا يخول الإبطال إلا إذا انضمت إليه [أحوال]".[6]
لأن التهديد بممارسة حق مشروع (كإنذار بالطعن القضائي، أو التهديد بالحجز بناء على سند تنفيذي) ليس إكراهاً - فمن يستعمل حقه ليس معتدياً، والقانون يشجع الوفاء بالحقوق لا أن يكافئ الممتنع؛ ولذلك نصت المادة 69 على أن الخوف الناتج عن التهديد بالمطالبة القضائية أو الإجراءات القانونية لا يخول الإبطال.
خامساً: الاستغلال (الغبن المشوب باستغلال)
الاستغلال هو استغلال حاجة أو ضعف أحد المتعاقدين للتحصل على ميزة غير معقولة - ويترك المشرع تقديره للقاضي:
من المادة 74: "أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القاضي."[7]
- ■حالة ضعف أو حاجة: مرض، حاجة ماسة، سفه، طيش، قلة خبرة.
- ■علم المستغِل بذلك الضعف: واستغلاله عمداً.
- ■ميزة غير معقولة: غبن فاحش في الالتزام المتبادل.
سادساً: أثر عيوب الرضا - البطلان النسبي وإثباته
- ■الأثر: العقد المشوب بعيب رضا قابل للإبطال - بطلان نسبي لا يثيره إلا من وقع العيب في رضاه (أو ورثته وخلفاؤه)، ويجوز إجازة العقد فيزول حق الإبطال.
- ■الإثبات: عبء إثبات العيب على من يدعيه، وتثبت العيوب بجميع طرق الإثبات، والقرائن والدلائل كافية في التدليس والإكراه غالباً.
- ■الغلط الواقع من الوسيط: إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين كان لهذا المتعاقد طلب فسخ الالتزام - دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ.
- ■دور كتابة الضبط: في تحرير عقود الوساطة والمحاضر، يُدوَّن التصريحات بصفة تمنع النزاع، وتُذكر الشروط الواضحة، ويُنبَّه الطرف الأضعف - وقاية من عيوب الرضا قبل وقوعها.
خلاصة حاسمة: عيوب الرضا الأربعة (الغلط، التدليس، الإكراه، الاستغلال) تصيب إرادة المتعاقد فتجعله متعاقداً دون إرادة حرة واعية؛ والأثر موحد: قابلية العقد للإبطال لمصلحة من شاب رضاه العيب، مع إمكان الإجازة - وحماية القانون للإرادة لا تعني تعطيل التعاملات.
خلاصة الدرس
- ■الرضا ركن أساسي في الالتزام، يصح إذا صدر عن إرادة حرة واعية، ويكون قابلاً للإبطال إذا شابه عيب.
- ■الغلط: تصور خاطئ للواقع أو القانون؛ يخول الإبطال إذا وقع في ذات الشيء أو نوعه أو صفة جوهرية أو الشخص الدافع.
- ■الأخطاء المادية الواضحة لا توجب الفسخ وإنما تصحح، والقاضي يقدر الغلط بمراعاة ظروف الحال والأشخاص.
- ■التدليس: حيل أو كتمان بلغت حداً لولاه لما تعاقد الطرف الآخر؛ وتدليس التوابع يوجب التعويض لا الإبطال.
- ■الإكراه: إجبار بغير حق؛ لا يخول الإبطال الخوف من المطالبة القضائية المشروعة، ويخوله الإكراه الصادر من الغير.
- ■الاستغلال: استغلال ضعف المتعاقد لميزة غير معقولة، وترك تقديره للقاضي.
- ■الأثر الموحد للعيوب: البطلان النسبي القابل للإجازة، وعبء الإثبات على مدعي العيب.

