مدخل إلى مصادر الالتزام
تعريف الالتزام وأركانه، والمصادر الخمسة التي تنشئ الالتزامات، والتقسيم الثلاثي للمسؤولية، وتمييز الالتزام المدني عن الالتزام الطبيعي - نقطة الانطلاق في دراسة قانون الالتزامات والعقود (المادة 25).
في هذا الدرس ستتعلم
- ■تعريف الالتزام كرابطة قانونية بين شخصين وأركانه الثلاثة.
- ■المصادر الخمسة للالتزام: الاتفاقات، التصريحات المعبرة عن الإرادة، أشباه العقود، الجرائم، أشباه الجرائم (المادة 25).
- ■التقسيم الثلاثي للمسؤولية: العقدية، التقصيرية، القانونية.
- ■تمييز الالتزام المدني عن الالتزام الطبيعي.
- ■أهمية تحديد مصدر الالتزام في تطبيق الأحكام القانونية.
أولاً: مفهوم الالتزام وأركانه
الالتزام رابطة قانونية بين شخصين: أحدهما دائن (صاحب الحق) والآخر مدين (محمّل بالواجب)، يلتزم بمقتضاها المدين بأداء شيء للدائن: إعطاء أو فعل أو امتناع.
- ■الطرفان: الدائن والمدين - لا يوجد التزام بلا شخصين على الأقل (مع إمكان اتحادهما في شخص واحد في حالة اتحاد الذمة).
- ■المحل: الشيء الذي يلتزم به المدين - إعطاء (نقل ملكية)، أو فعل (أداء عمل)، أو امتناع (ترك فعل).
- ■المصدر: السبب القانوني الذي ينشئ الالتزام - وهو موضوع هذا الدرس ومدخله.
في عقد البيع: البائع مدين بتسليم المبيع، والمشتري دائن بالاستلام، وكلاهما دائن ومدين في الوقت نفسه: المشتري مدين بالثمن، والبائع دائن به. والمحل هو المبيع والثمن، والمصدر هو الاتفاق.
ثانياً: نص المادة 25 - النص المؤسس لمصادر الالتزام
نص المادة 25: "تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة ولو كانت منفردة، وعن أشباه العقود، وعن الجرائم وأشباه الجرائم."[1]
البناء المنطقي للنص: المادة 25 هي المادة الأولى في الكتاب الثاني (الالتزامات بوجه عام) بعد الكتاب الأول (الأحكام العامة). وتعدد مصادر الالتزام في أربعة أصناف: الاتفاقات والتصريحات المعبرة عن الإرادة (وإن كانت منفردة)، أشباه العقود، الجرائم، أشباه الجرائم.
التمييز داخل النص: فصل المشرع بين الاتفاقات (التي تحتاج إلى إرادتين متوافقتين) والتصريحات المعبرة عن الإرادة (التي تشمل الإرادة المنفردة الصادرة من طرف واحد)، ثم انتقل إلى أشباه العقود (وقائع مشروعة تنشئ التزاماً) والجرائم وأشباه الجرائم (أفعال غير مشروعة تترتب عليها المسؤولية المدنية).
يرى الفقه أن النص لم يذكر القانون صراحة كمصدر خامس، غير أن القانون هو المصدر المنشئ لجميع المصادر: فالاتفاقات لا تنشئ التزاماً إلا بقوة القانون، ومن هنا عدّه الفقه مصدراً أصلياً يُضاف إلى الأربعة المذكورة في النص.
ثالثاً: مصادر الالتزام الخمسة
لأن الالتزامات لا تنشأ من فراغ: فلا يلتزم إنسان تجاه غيره إلا بفعل إرادته (عقد أو تصريح)، أو بواقعة مشروعة (شبه عقد)، أو بفعل غير مشروع يوجب التعويض (جريمة أو شبه جريمة)، أو بقوة القانون - والحصر يمنع التعسف في إنشاء التزامات على الغير.
رابعاً: التقسيم الثلاثي للمسؤولية
على أساس المصدر تنقسم المسؤولية المدنية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
المسؤولية العقدية افتراضية الوجود عند الإخلال بالتزام ناشئ عن اتفاق، بينما المسؤولية التقصيرية تتطلب إثبات الخطأ (أو قيام قرينة خطأ) من طرف المضرور، والمسؤولية القانونية قد تقوم دون خطأ متى نص القانون عليها - وسيرد تفصيل هذه القواعد في الدروس اللاحقة.
خامساً: الالتزام المدني والالتزام الطبيعي
لأنه يبيّن حدود القوة الإلزامية للالتزام: فبعض الالتزامات تكون صحيحة في الضمير (أخلاقية) دون أن يرفعها القانون إلى درجة الالتزام المدني، ومع ذلك إذا وفاها المدين طوعاً حُمل القانون على أنها وفاء دين فاستحال استردادها - وهذا ما سيتكرر عند دراسة دفع غير المستحق والتقادم.
سادساً: أهمية تحديد مصدر الالتزام
- ■تحديد القواعد الواجبة التطبيق: الالتزام العقدي تحكمه نصوص العقد وقواعد الأهلية والرضا، والالتزام التقصيري تحكمه نصوص الجرائم وأشباه الجرائم، والالتزام القانوني تحكمه نصوصه الخاصة.
- ■تحديد عبء الإثبات: في الالتزام العقدي يثبت المدين أنه وفى، وفي التقصيري يثبت المضرور الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
- ■تحديد التقادم: تختلف مدد التقادم باختلاف مصدر الالتزام (تأتي في الدرس 50).
- ■تحديد الأهلية اللازمة: بعض التصرفات تستلزم أهلية كاملة، وبعض الوقائع لا تستلزمها (الجرائم وأشباه الجرائم يسأل عنها حتى الصبي المميز).
- ■تحديد قواعد التعويض: يختلف تقدير التعويض بين المسؤولية العقدية والتقصيرية (الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع).
لكاتب الضبط دور عملي مباشر: فعند توثيق عقد بيع يتحقق من أركان الاتفاق ومصدره التعاقدي، وعند تحرير محضر عن حادث سير يتعلق الأمر بمصدر تقصيري، وعند تدوين إيداع مبلغ في كتابة الضبط يظهر أثر أشباه العقود - فمعرفة المصدر تسبق أي تحرير قانوني.
خلاصة الدرس
- ■الالتزام رابطة قانونية بين الدائن والمدين، وأركانه: الطرفان والمحل والمصدر.
- ■تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات المعبرة عن الإرادة ولو كانت منفردة، وعن أشباه العقود، وعن الجرائم وأشباه الجرائم (المادة 25).
- ■الفقه يضيف القانون كمصدر خامس على اعتباره المصدر المنشئ للمصادر جميعاً.
- ■المسؤولية ثلاثية: عقدية (الإخلال بالاتفاق)، وتقصيرية (الخطأ)، وقانونية (دون خطأ بنص القانون).
- ■الالتزام الطبيعي التزام غير واجب القضاء، لكن الوفاء به طوعاً يمنع استرداده.
- ■تحديد مصدر الالتزام يحدد القواعد والأحكام الواجبة التطبيق في كل نزاع.

