المصاريف القضائية أمام محكمة الجنح: الإلزام والإعفاء والتصفية
تعويض المتهم عند تعسف الطرف المدني، وإلزام القائم بالحق المدني بالمصاريف عند البراءة، وبراءة المتهم من المصاريف واستثناء الجنون، والإلزام بالمصاريف والرسوم لصالح الدولة، والإعفاء الجزئي، وتصفية المصاريف بالحكم - المواد 432 إلى 437 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■تعويض المتهم عن تعسف الطرف المدني الذي حرك الدعوى العمومية، وبت القضاء فيه بنفس حكم البراءة (المادة 432).
- ■إلزام القائم بالحق المدني بكل المصاريف عند الحكم بالبراءة إذا كان هو من حرك الدعوى العمومية (المادة 435).
- ■عدم جواز إلزام المتهم المبرأ بالمصاريف، مع استثناء البراءة بسبب الجنون وقت الوقائع (المادة 434).
- ■الإلزام بالمصاريف والرسوم لصالح الدولة في كل حكم بالإدانة، وفي الصلح والإعفاء من العقوبة، مع جواز الإعفاء بقرار خاص ومسبب (المادة 433).
- ■الإعفاء الجزئي من المصاريف عند إدانة لا تتناول جميع الجرائم، وما يترتب عليه من تحميل الخزينة العامة أو الطرف المدني (المادة 436).
- ■تصفية المصاريف والرسوم بالحكم، ورفع صعوبات التنفيذ إلى المحكمة المصدرة للحكم (المادة 437).
أولاً: المصاريف عند البراءة (المواد 432 و435 و434)
نص المادة 432: "تقضي المحكمة في حالة الحكم بالبراءة، إذا كان الطرف المدني هو الذي حرك الدعوى العمومية، في الحكم نفسه في طلب التعويض المقدم من طرف المتهم ضد الطرف المدني لتعسفه بالقيام بالحق المدني."[1]
نص المادة 435: "يلزم القائم بالحق المدني بكل المصاريف في حالة الحكم بالبراءة إذا كان هو الذي حرك الدعوى العمومية."[2]
نص المادة 434: "لا يجوز إلزام المتهم بمصاريف القضية في حالة الحكم ببراءته. غير أنه إذا قضي ببراءة المتهم بسبب كونه مصاباً بالجنون وقت الوقائع فيجوز للمحكمة أن تحمله كل أو بعض المصاريف."[3]
تعويض التعسف: إذا حكم بالبراءة وكان الطرف المدني هو الذي حرك الدعوى العمومية (دعوى مباشرة)، تقضي المحكمة بنفس الحكم في طلب تعويض المتهم ضد الطرف المدني لتعسفه بالقيام بالحق المدني - لا حاجة لدعوى مستقلة (م 432).
مصاريف القائم بالحق المدني: في هذه الحالة بالذات يلزم القائم بالحق المدني بكل المصاريف - هو الذي استدعى المحاكمة فتحمل وزرها (م 435).
براءة المتهم من المصاريف: قاعدة عامة: لا يلزم المتهم المبرأ بمصاريف القضية. استثناء وحيد: إذا كانت البراءة بسبب الجنون وقت الوقائع جاز للمحكمة تحميله كل أو بعض المصاريف (م 434).
الحق المدني سلاح مشروع للضحية، لكنه قد يُستغل أداة ضغط أو مضايقة: يحرك الطرف المدني الدعوى العمومية دون أدلة كافية، فتُعطل سمعة المتهم ووقته وأمواله. البراءة تكشف التعسف، فكان الجزاء مزدوجاً: التعويض للمتهم (م 432) + تحميل كل المصاريف (م 435) - ردعاً للمرافعات الكيدية مع بقاء باب التعويض مفتوحاً لمن تقدم بحق مدني حسن النية.
الجنون وقت الوقائع سبب إعفاء من المسؤولية الجنائية وليس سبب إدانة - والبراءة المترتبة عليه براءة شكلية لا تنفي الجريمة. لذلك أجاز المشرع تحميل هذا المبرأ بعض المصاريف: لا تُحمل الخزينة العامة مصاريف قضية جرائمها قائمة، وإن سقط العقاب لعلة عقلية.
ثانياً: الإلزام بالمصاريف لصالح الدولة (المادة 433)
نص المادة 433: "ينص في كل حكم يصدر بالإدانة ضد المتهم وعند الاقتضاء ضد المسئول مدنياً على إلزامهما بالمصاريف والرسوم لصالح الدولة. وكذلك الشأن في حالة الصلح الذي تنقضي به الدعوى العمومية طبقاً للمادة 6، وفي حالة الإعفاء من العقوبة ما لم تقض المحكمة بقرار خاص ومسبب بإعفاء المتهم أو المسئول مدنياً من كل أو بعض المصاريف. ولا يلزم الطرف المدني الذي قبلت دعواه بالمصروفات ما دام الشخص المدعى ضده مدنياً قد اعتبر مرتكباً للجريمة."[4]
قاعدة الإلزام: كل حكم بالإدانة ينص على إلزام المتهم وعند الاقتضاء المسئول مدنياً بالمصاريف والرسوم لصالح الدولة - نص الحكم يشمل المصاريف تلقائياً.
الصلح والإعفاء: كذلك يلزمان بالمصاريف في الصلح الذي تنقضي به الدعوى العمومية طبقاً للمادة 6، وفي الإعفاء من العقوبة - ما لم تقض المحكمة بقرار خاص ومسبب بإعفائهما من كل أو بعض المصاريف.
الطرف المدني: الطرف المدني الذي قبلت دعواه لا يلزم بالمصروفات - ما دام الشخص المدعى ضده مدنياً اعتُبر مرتكباً للجريمة.
تنقضي الدعوى العمومية، زيادة على الأسباب الأخرى، بالمصالحة أو بدفع غرامة جزافية أو اتفاقية إذا نص القانون على ذلك صراحة، كما تنقضي بسحب الشكوى إذا كانت شرطاً لازماً للمتابعة. فحين يقع الصلح بعد متابعة فعلية، تبقى مصاريف الإجراءات محققة فعلاً - لذلك ألزم المشرع الطرفين بها، فالصالح لا يلغي التكلفة التي سبقت.
ثالثاً: الإعفاء الجزئي والتصفية (المادتان 436 و437)
نص المادة 436: "يجوز للمحكمة، في الحالة التي لا تتناول فيها الإدانة جميع الجرائم التي كانت موضوع المتابعة، أو لم تكن إلا بسب جرائم كانت موضوع تعديل في وصف التهمة إما أثناء سير التحقيق أو عند النطق بالحكم، وكذلك في حالة إخراج بعض المتهمين من الدعاوى، أن تعفي المحكوم عليه بنص مسبب في حكمها من الجزء من المصاريف القضائية الذي لا ينتج مباشرة عن الجريمة التي نجمت عنها الإدانة في الأصل. وتحدد المحكمة مقدار المصاريف التي أعفت منها المحكوم عليه، وتحمل هذه المصاريف بحسب الظروف على الخزينة العامة أو الطرف المدني."[5]
نص المادة 437: "تصفى المصاريف والرسوم بالحكم. ويجوز لكل ذي مصلحة، في حالة عدم وجود قرار بتطبيق المواد 433 وما بعدها، أو وجود صعوبات في تنفيذ حكم الإدانة بالمصاريف والرسوم، أن يرفع الأمر إلى المحكمة التي أصدرت الحكم في الأصل وفقاً للقواعد المقررة في مادة صعوبات التنفيذ لكي تكمل حكمها في هذه النقطة."[6]
متى يجوز الإعفاء الجزئي؟ في ثلاث حالات: إدانة لا تتناول جميع الجرائم المتابَع بها، أو تعديل وصف التهمة (أثناء التحقيق أو عند النطق بالحكم)، أو إخراج بعض المتهمين من الدعوى (م 436).
شرطه وجزاؤه: يكون بنص مسبب، ويشمل الجزء من المصاريف الذي لا ينتج مباشرة عن جريمة الإدانة. وتحدد المحكمة مقدار المصاريف المعفاة، وتحملها على الخزينة العامة أو الطرف المدني بحسب الظروف.
التصفية بالحكم: تصفى المصاريف والرسوم بالحكم نفسه. فإذا لم يوجد قرار بتطبيق المواد 433 وما بعدها، أو ظهرت صعوبات في تنفيذ حكم الإدانة بالمصاريف، جاز لكل ذي مصلحة رفع الأمر إلى المحكمة المصدرة للحكم وفق قواعد صعوبات التنفيذ لتكمل حكمها في هذه النقطة (م 437).
متابَع بجريمتي تزوير ونصب، فلم تثبت إلا جريمة النصب وقضت المحكمة بالإدانة عنها وحدها. المصاريف الناجمة عن التحقيق في جريمة التزوير لا تنتج مباشرة عن جريمة الإدانة - فتعفي المحكمة المحكوم عليه من هذا الجزء بنص مسبب، وتحمله بحسب الظروف على الخزينة العامة أو على الطرف المدني إن كانت متابعته وراء توسيع نطاق الدعوى.
الملاحظ أن القانون في هذا الفصل يقرن التكليف المالي بمن يسبب الإجراء: المدان يدفع (م 433)، والمبرأ لا يدفع إلا في جنون (م 434)، والقائم بالحق المدني التعسفي يدفع كل شيء (م 435)، والمسئول مدنياً يتحمل مع المدان عند الاقتضاء - في النهاية، لا تُحمَّل الدولة ما لا يجب، ولا يُظلم من ثبتت براءته.
خلاصة الدرس
- ■عند البراءة وقيام الطرف المدني بتحريك الدعوى العمومية: تقضي المحكمة بنفس الحكم في طلب تعويض المتهم ضد الطرف المدني لتعسفه، ويلزم القائم بالحق المدني بكل المصاريف (م 432 و435).
- ■لا يجوز إلزام المتهم المبرأ بالمصاريف، إلا إذا كانت البراءة بسبب الجنون وقت الوقائع فجاز تحميله كل أو بعض المصاريف (م 434).
- ■كل حكم بالإدانة ينص على إلزام المتهم والمسئول مدنياً بالمصاريف والرسوم لصالح الدولة، وكذلك الصلح المنقضي به الدعوى العمومية طبقاً للمادة 6، والإعفاء من العقوبة - ما لم تقض المحكمة بقرار خاص ومسبب (م 433).
- ■الطرف المدني المقبولة دعواه لا يلزم بالمصروفات ما دام المدعى ضده مدنياً اعتبر مرتكباً للجريمة (م 433).
- ■الإعفاء الجزئي من المصاريف عند إدانة لا تتناول جميع الجرائم أو تعديل وصف التهمة أو إخراج بعض المتهمين، بنص مسبب، وتحدد المحكمة المقدار وتحمله على الخزينة العامة أو الطرف المدني (م 436).
- ■المصاريف والرسوم تصفى بالحكم، وعند غياب قرار بتطبيق المواد 433 وما بعدها أو وجود صعوبات في التنفيذ، يرفع ذو المصلحة الأمر للمحكمة المصدرة للحكم لتكمله (م 437).

