المحكمة العليا: الغرف والتشكيلات
الغرف الخمس للمحكمة العليا وتشكيلة كل غرفة، والغرف المجمعة واختصاصاتها الأربعة، وغرفة المشورة واختصاصاتها الثلاثة.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■الغرف الخمس التي تتكون منها المحكمة العليا: غرفتان مدنيتان واجتماعيتان، وغرفة تجارية، وغرفة إدارية، وغرفة جزائية.
- ■تشكيلة كل غرفة: رئيس وأربعة مستشارين، وطريقة التعويض عند الغياب.
- ■تشكيلة الغرف المجمعة واختصاصاتها الأربعة.
- ■غرفة المشورة وتشكيلتها واختصاصاتها الثلاثة.
- ■طريقة البت في الغرف: تشكيلة غرفة المشورة إلا فيما استثني للغرف المجمعة.
أولاً: غرف المحكمة العليا وتشكيلاتها
1. الغرف الخمس
تتضمن المحكمة العليا خمس غرف متخصصة[1]:
لأن حجم القضايا المدنية والاجتماعية في الممارسة هو الأكبر: عقود، إيجارات، ميراث، أحوال شخصية، نزاعات عمل... فهي تشغل الحصة الكبرى من عمل المحاكم. فخصص لها المشرع غرفتين لاستيعاب العدد. أما القضايا التجارية والإدارية والجزائية المطعون فيها بالنقض فعددها أقل، فتكفيها غرفة واحدة لكل نوع. التوزيع يعكس الواقع العملي لا مجرد الترتيب النظري.
2. تشكيلة كل غرفة
تتألف كل غرفة من رئيس وأربعة مستشارين، لكل منهم صوت تداولي. ويعين رئيس الغرفة من بين القضاة مراعاة لرتبته وتخصصه، وهو يرأس جلسات التشكيلة. وإذا غاب رئيس الغرفة أو حدث له مانع، ينوب عنه أحد رؤساء الغرف الأخرى بأمر من رئيس المحكمة العليا[2].
توزيع المستشارين: يتم توزيع المستشارين على غرف المحكمة العليا بأمر من رئيس المحكمة العليا بعد استشارة رؤساء الغرف. وفي حالة غياب أو مانع لأحد المستشارين، ينوب عنه مستشار من نفس المحكمة يُعين بأمر من رئيس المحكمة العليا[2].
كل غرفة تعمل كفريق صغير: رئيس يرأس الجلسات، وأربعة مستشارين يدلون بأصواتهم. الحكم في النقض يصدر بعد مداولات سرية - و"الصوت التداولي" يعني أن لكل مستشار رأياً في القرار مهما كان مركزه. وإذا مرض رئيس الغرفة أو سافر، لا تتعطل العدالة: رئيس غرفة أخرى ينوب عنه مؤقتاً بأمر من رئيس المحكمة العليا. النظام كله مصمم بحيث لا يتوقف عمل المحكمة أبداً بسبب غياب شخص.
3. طريقة البت
باستثناء الحالات المنصوص عليها في المادة 22 (الغرف المجمعة)، تبت غرف المحكمة العليا في تشكيلة غرفة المشورة، وتبعاً لاختصاص كل منها، في الحالات التي ينص القانون فيها على أن هذه الغرف أو المحكمة العليا تبت في تشكيلة غرفة المشورة[2].
"البت في تشكيلة غرفة المشورة" يعني أن الغرفة تتداول وتصدر قرارها في جلسة سرية يشارك فيها القضاة وحدهم دون حضور الخصوم أو الجمهور. هذا هو الوضع الاعتيادي: ففي محكمة النقض لا تُستدعى الأطراف للمناقشة الشفهية إلا في حالات استثنائية، بل يُدرس الملف كتابياً ثم يُتداول سراً ويصدر القرار. الاستثناء الوحيد هو القضايا الجسيمة التي تنتقل إلى الغرف المجمعة.
ثانياً: الغرف المجمعة وغرفة المشورة
1. الغرف المجمعة
تتألف تشكيلة الغرف المجمعة من رئيس المحكمة العليا ورؤساء الغرف والمستشارين. وتصح مداولاتها إذا حضر مع رئيس المحكمة العليا رئيس غرفة ومستشاران عن كل غرفة[3].
وتختص الغرف المجمعة بأربع مسائل[4]:
- ■تعارض القرارات والأحكام: الصادرة نهائياً بين نفس الأطراف ولنفس الأسباب من محكمة أو أكثر، والقرارات المتناقضة لغرف المحكمة العليا.
- ■الطعن لصالح القانون: المقدم من المدعي العام لدى المحكمة العليا إذا لم يقم به أي طرف في الآجال المحددة.
- ■مراجعة قرارات الإدانة بالإعدام: وجوبية لضمان المراجعة العليا لأخطر العقوبات.
- ■القرارات والأحكام التي ترجع إلى المحكمة العليا للمرة الثانية: بعد النقض والإحالة الثانية.
كما أن الآراء الاستشارية المقدمة تطبيقاً للمادة 12 تصدر عن المحكمة العليا مجتمعة بنفس تشكيلة الغرف المجمعة، وتُتخذ في جلسة علنية استشارية[4].
لأن هذه المسائل الأربع تتسم بخطورة استثنائية تستدعي مشاركة المحكمة كلها:
- ■تعارض الأحكام: حكمان نهائيان متناقضان في القضية نفسها = أزمة ثقة في العدالة - لا يحلها إلا اجتماع كل الغرف ليقرر أيهما يبقى.
- ■الطعن لصالح القانون: إنه طعن لا يسعى لإنصاف طرف بل لتصحيح مبدأ قانوني خاطئ أضر بالقضاء كله - فالقرار يمس الجميع.
- ■الإعدام: أخطر قرار قضائي على الإطلاق - فمن العدل أن تنظر فيه أعظم تشكيلة (رئيس المحكمة + كل الغرف).
- ■العودة الثانية: إذا نقضت المحكمة حكماً ثم عاد إليها نفس النزاع مرة ثانية، فهذا يعني خلافاً عميقاً حول القانون - تفصله الغرف المجمعة حسمها نهائياً.
بهذا التنظيم تضمن المشرع أن القرارات المصيرية في النقض تصدر عن "الجهاز كله" لا عن غرفة واحدة.
2. غرفة المشورة
تتألف من رئيس المحكمة العليا ورؤساء الغرف[5]. وتختص بثلاث مسائل[6]:
- ■القضايا المتعلقة بتنازع الاختصاص بين محكمتين أو أكثر.
- ■مخاصمة القضاة.
- ■متابعة القضاة أو بعض الموظفين في الحالات المقررة في قانون الإجراءات الجزائية.
رفعت دعوى تعويض في محكمة ولاية أ، بينما يرى محامي الخصم أن الاختصاص لمحكمة ولاية ب. المحكمة الأولى قالت: "لست مختصة"، والمحكمة الثانية قالت: "لست مختصة" أيضاً - كل منهما تحيل القضية إلى الأخرى. أمام هذا المأزق، تُعرض القضية على غرفة المشورة في المحكمة العليا التي تحسم نهائياً: أي المحكمتين مختصة، وترجع القضية إليها. بذلك لا يبقى المتقاضي عالقاً بين محكمتين ترفضان النظر في دعواه.
القاضي بشر يخطئ ويصيب، لكنه يحتاج حماية من الدعاوى الكيدية التي تستهدف الضغط عليه. "مخاصمة القضاة" هي دعوى يرفعها المتقاضي ضد قاضٍ ادعى أن خطأه الشخصي المتعمد أضره. وهذه الدعوى الخطيرة لا تنظر فيها محكمة عادية، بل أرفع هيئة في المحكمة العليا (رئيسها ورؤساء الغرف) - حتى لا تبت محكمة منخفضة في اتهام قاضٍ زميل لها، وحتى لا تُقبل الدعاوى الكيدية ضد القضاة إلا بفحص عالٍ.
ملاحظة: التنظيم القضائي لم يحدد طريقة البت في غرفة المشورة بالنسبة لعدد القضاة المطلوب لصحة المداولات، بل أحال في المواد 20 (الغرف) و21 (الغرف المجمعة) و23 (غرفة المشورة) إلى التشكيلات المذكورة.
خلاصة الدرس - يجب أن تكون تعلمت:
- ■الغرف الخمس للمحكمة العليا: غرفتان مدنيتان واجتماعيتان، وغرفة تجارية، وغرفة إدارية، وغرفة جزائية.
- ■تشكيلة كل غرفة: رئيس وأربعة مستشارين لكل منهم صوت تداولي، مع النيابة عند الغياب.
- ■توزيع المستشارين بأمر من رئيس المحكمة العليا بعد استشارة رؤساء الغرف.
- ■تشكيلة الغرف المجمعة: رئيس المحكمة + رؤساء الغرف + المستشارين، وتصح المداولات بحضور رئيس غرفة ومستشارين عن كل غرفة.
- ■اختصاصات الغرف المجمعة الأربع: تعارض الأحكام، الطعن لصالح القانون، مراجعة الإعدام، والعودة الثانية.
- ■غرفة المشورة: تنازع الاختصاص، مخاصمة القضاة، ومتابعة القضاة والموظفين في الحالات المقررة.

