المحكمة العليا: التشكيل والاختصاص
تعريف المحكمة العليا بوصفها أعلى هيئة قضائية، واختصاصاتها في الطعن بالنقض والقضاء الإداري والرأي الاستشاري، وتشكيلها، وطريقة تعيين رئيسها وحمايته القانونية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■تعريف المحكمة العليا بوصفها أعلى هيئة قضائية في البلد.
- ■اختصاصاتها المزدوجة: الطعن بالنقض والقضاء الإداري، وكونها محكمة قانون لا وقائع.
- ■اختصاصها الاستشاري: رأيها للحكومة والوزراء.
- ■تشكيلها: رئيس ونائب ورؤساء غرف ومستشارون، وتشكيلات الحكم الثلاثة.
- ■طريقة تعيين رئيسها ومدته ونائبه وترتيب الخلافة.
- ■الحماية القانونية لرئيس المحكمة العليا من العزل والمتابعة.
أولاً: تعريف المحكمة العليا واختصاصاتها
1. موقعها وأهميتها
المحكمة العليا هي أعلى هيأة قضائية في البلد. بهذه الصفة، تختص بولاية قضائية مزدوجة: محكمة نقض تبت في الطعون بالنقض ضد الأحكام والقرارات النهائية الصادرة عن المحاكم الأخرى، ومحكمة إدارية عليا تبت في القضايا الإدارية ابتدائياً ونهائياً في المسائل التي يسندها إليها القانون[1].
المحكمة العليا هي "قمة الهرم" - الحَكَمُ الأخير في البلاد. لها مهمتان: الأولى أنها محكمة نقض: من خسر قضيته في محاكم الاستئناف له الحق في اللجوء إليها لفحص الحكم؛ الثانية أنها محكمة إدارية عليا: المواطن الذي تضرر من قرار إداري (كقرار ترقية أو مصادرة) يرفع دعواه أمامها مباشرة. فهي في آن واحد: محكمة تراقب المحاكم الأخرى، ومحكمة تحاسب الإدارة.
2. محكمة قانون لا محكمة وقائع
الأصل أن المحكمة العليا هي محكمة قانون وليست محكمة وقائع - أي أنها تراقب صحة تطبيق القانون ولا تعيد النظر في وقائع النزاع. لكن يستثنى من ذلك ما تنص عليه مقتضيات تشريعية على خلاف ذلك[1].
لأن الوقائع هي مجال قضاة الموضوع: من استمع للشهود ورأى المستندات عن قرب هو الأقدر على تقديرها. لو أعادت المحكمة العليا فحص كل قضية من جديد، لتحولت إلى درجة ثالثة في الموضوع، ولأصبح كل حكم "مؤقتاً" بانتظار نقضه. فحصرت مهمتها في مراقبة التطبيق السليم للقانون: هل طبقت محكمة الاستئناف النص الصحيح؟ هل بنت حكمها على أسباب سليمة؟ هذه المراقبة وحدها تكفي لضمان وحدة تطبيق القانون على كامل التراب الوطني - وهي الوظيفة الحقيقية لمحكمة النقض.
3. الإجراءات المتبعة أمامها
تسري أمام المحكمة العليا الإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية وقانون الإجراءات الجزائية وكل الترتيبات التشريعية الأخرى المعمول بها[1].
4. الاختصاص الاستشاري
للحكومة أن تطلب من المحكمة العليا إعطاء رأيها في مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية وحول كل المسائل التي يصرح نص تشريعي أو تنظيمي بتدخل المحكمة فيها. كما يمكن استشارتها من طرف الوزراء في الصعوبات ذات الطابع القانوني التي تثار خلال تسيير المرفق العمومي[2].
المحكمة العليا ليست فقط قاضياً، بل أيضاً مستشاراً قانونياً للدولة. قبل أن يصدر مشروع قانون أو مرسوم، قد تستشير الحكومة المحكمة العليا لتعرف إن كان النص متوافقاً مع القانون القائم. والوزير الذي يواجه صعوبة قانونية في تسيير وزارته (مثلاً: هل يمكن تطبيق هذا النظام الجديد على الموظفين القدامى؟) يستشير المحكمة العليا. هذا "الرأي الاستشاري" لا يُلزم الحكومة قانوناً، لكنه حصانة من الأخطاء الكبيرة.
ثانياً: تشكيل المحكمة العليا ورئيسها
1. تشكيل المحكمة
تتكون المحكمة العليا من رئيس ورؤساء غرف من بينهم نائب رئيس المحكمة العليا ومستشارين. وتتألف من تشكيلات الحكم التالية: الغرف، غرفة المشورة، الغرف المجمعة[3].
- ■الغرف: التشكيل الاعتيادي - كل غرفة (مدنية، جزائية، إدارية...) تنظر في طعون مجالها.
- ■غرفة المشورة: تجتمع بدون حضور النيابة العامة، للنظر في مسائل داخلية ودعاوى خاصة كإحالة الدعاوى بين المحاكم.
- ■الغرف المجمعة: تجمع جميع الغرف للفصل في القضايا الجسيمة - كالطعون التي تثير مبدأ قانونياً جديداً، أو الخلاف بين الغرف في تفسير نص واحد. القرار النهائي في تفسير القانون يخرج من الغرف المجمعة.
2. رئيس المحكمة العليا
يُعين بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. ويُنتخب من بين القضاة الأعلى درجة أو القانونيين ذوي الكفاءات المشهود لهم بالاستقامة والنزاهة والخبرة. وقبل تقلده وظائفه، يقسم اليمين أمام رئيس الجمهورية، ويُحرر محضر هذه اليمين من طرف كاتب الضبط الأول بالمحكمة العليا[4].
اليمين لحظة رمزية ومؤسسية معاً: فالقسم أمام رئيس الجمهورية يرمز إلى أن السلطة القضائية جزء من سلطات الدولة ويحظى بثقة المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يذكّر رئيس المحكمة بأن وظيفته أمانة أمام الله وأمام الوطن - لا خدمة لأحد سوى العدالة. والجمع بين القسم وتحرير محضر رسمي (من كاتب الضبط الأول) يجعل مناسبة التولي موثقة رسمياً منذ يومها الأول.
3. نائب رئيس المحكمة العليا وترتيب الخلافة
يشغل منصب نائب الرئيس رئيس الغرفة الأقدم في الرتبة الأعلى. وفي حالة التساوي في الرتبة والأقدمية، رئيس الغرفة الأسَن. وفي حالة التساوي في السن، الأقدم في المحكمة العليا. وإذا غاب نائب الرئيس أو حدث له مانع مؤقت، يحل محله تلقائياً رئيس الغرفة الأقدم في الرتبة الأعلى، وفق الترتيب ذاته[5].
لدى المحكمة العليا ثلاثة رؤساء غرف: رئيس غرفة أولى (رتبة ممتازة، أقدمية 10 سنوات)، رئيس غرفة ثانية (رتبة ممتازة، أقدمية 7 سنوات)، رئيس غرفة ثالثة (رتبة عادية). النائب سيكون رئيس الغرفة الأولى لأنه الأقدم في الرتبة الأعلى. ولو تساوى اثنان في الرتبة والأقدمية، يرجح الأسَن؛ ولو تساويا في السن، يرجح الأقدم في المحكمة العليا. وكل هذا الترتيب تلقائي - لا يحتاج لأي قرار - حتى لا يبقى منصب النيابة شاغراً أو متنازعاً عليه.
4. حماية رئيس المحكمة العليا
لا يجوز تعليق رئيس المحكمة العليا أو إيقافه عن ممارسة وظائفه قبل نهاية الأجل المحدد لها إلا وفق الطرق المتبعة في تعيينه، أو بناءً على طلب منه، أو بسبب عجز بدني، أو فقدان حقوق مدنية أو سياسية، أو إخلال باللباقة أو شرف وكرامة الوظيفة. كما لا تجوز أي متابعة جزائية ضده بدون إذن مسبق من المجلس الأعلى للقضاء إلا في حالة تلبس[6].
لأن من يقود أعلى محكمة في البلاد يملك قرارات قد تغضب أقوى السلطات: فالحكم الذي يقضي ضد الحكومة، أو النقض الذي يلغي قراراً لوزير، قد يثير رغبة الانتقام. لو كان بإمكان السلطة التنفيذية عزل رئيس المحكمة العليا متى شاءت، لانهارت استقلالية القضاء. لذلك جعل المشرع عزلَه أو متابعتَه مقيداً بشروط صارمة: طرق رسمية مثل التعيين، أو طلبه هو، أو أسباب موضوعية محددة (عجز، فقدان حقوق، إخلال بالوظيفة) - والمتابعة الجزائية تحتاج إذناً مسبقاً من المجلس الأعلى للقضاء، ولا استثناء إلا في حالة التلبس بالجريمة. هذه الحماية هي الضمانة الأخيرة لمبدأ استقلال القضاء.
خلاصة الدرس - يجب أن تكون تعلمت:
- ■أن المحكمة العليا هي أعلى هيئة قضائية في البلد، وتجمع بين محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا.
- ■أنها محكمة قانون لا وقائع: تراقب صحة تطبيق القانون ولا تعيد فحص النزاع.
- ■اختصاصها الاستشاري: رأيها للحكومة في مشاريع النصوص وللوزراء في صعوبات التسيير.
- ■تشكيلها: رئيس ونائب ورؤساء غرف ومستشارون، وتشكيلاتها: الغرف وغرفة المشورة والغرف المجمعة.
- ■تعيين رئيسها بمرسوم رئاسي لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، واليمين أمام رئيس الجمهورية.
- ■ترتيب نائب الرئيس وخلافته: رئيس الغرفة الأقدم في الرتبة الأعلى، ثم الأسَن، ثم الأقدم في المحكمة.
- ■حمايته من العزل والإيقاف والمتابعة الجزائية إلا بإذن من المجلس الأعلى للقضاء أو حالة التلبس.

