أوجه الطعن بالنقض وقيود الوسائل
أوجه النقض الحصرية الثمانية وجواز إثارتها من تلقاء نفسها، بطلان القرارات الصادرة من هيئة ناقصة التشكيل أو بلا تعليل أو بلا استماع للنيابة، حسم اختصاص المحكمة الجنائية، بطلان الحكم بعقوبة غير مقررة قانوناً، سلطة النيابة في قرارات البراءة، أثر الغلط في الاستشهاد بالنص، والقيود على وسائل عدم الاختصاص وقواعد الدفاع - المواد 545 إلى 552 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■أوجه النقض الحصرية الثمانية: عدم الاختصاص، تجاوز السلطة، مخالفة القواعد الجوهرية في الإجراءات، انعدام أو قصور الأسباب، عدم البت في الطلبات، التناقض، مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه، وانعدام الأساس القانوني - مع جواز إثارتها من تلقاء نفسها (المادة 545).
- ■بطلان القرارات الصادرة من هيئة غير كاملة التشكيلة، أو من قضاة لم يحضروا كل الجلسات أو لم يكونوا منوبين نيابة شرعية، أو بدون سماع النيابة العامة (المادة 546).
- ■بطلان القرارات الخالية من التعليل أو المعللة تعليلاً يمنع مراقبة المحكمة العليا، وكذا عند إغفال أو الامتناع عن البت في طلب (المادة 547).
- ■تحديد اختصاص المحكمة الجنائية نهائياً وعدم إثارة عيوب الإجراءات السابقة بعد نهائية الإحالة (المادة 548).
- ■بطلان الحكم الصادر بعقوبة غير العقوبة المقررة قانوناً للجريمة، يثيره المحكوم عليه أو النيابة (المادة 549).
- ■سلطة النيابة العامة في إثارة البطلان ضد قرارات البراءة المشار إليها في المادة 302 المبنية على عدم وجود نص قانوني رغم وجوده (المادة 550).
- ■الغلط في الاستشهاد بالنص القانوني لا يبطل القرار إذا كانت العقوبة المصرح بها مساوية للعقوبة المقررة (المادة 551).
- ■حدود وسائل عدم الاختصاص: عدم جواز التمسك بها ضد محكمة متعهدة بإحالة من المحكمة العليا، وعدم جواز التمسك بمخالفة قواعد مقررة لتأمين دفاع الغير (المادة 552).
أولاً: أوجه النقض الحصرية (المادة 545)
نص المادة 545: "لا يجوز أن يبنى الطعن بالنقض إلا على أحد الأوجه التالية: عدم الاختصاص؛ تجاوز السلطة؛ مخالفة قواعد جوهرية في الإجراءات؛ انعدام أو قصور الأسباب؛ عدم البت في وجه الطلب أو أحد طلبات النيابة العامة؛ تناقض القرارات القضائية الصادرة من جهات قضائية مختلفة في آخر درجة أو التناقض في ما قضى به الحكم نفسه؛ مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه؛ انعدام الأساس القانوني. يجوز للمحكمة العليا أن تثير من تلقاء نفسها الأوجه السابقة الذكر."[1]
لا يجوز أن يبنى الطعن بالنقض إلا على أحد الأوجه التالية:
- ■عدم الاختصاص - محكمة فصلت في قضية ليست من اختصاصها.
- ■تجاوز السلطة - قضاء بما يخرج عن حدود سلطة المحكمة.
- ■مخالفة قواعد جوهرية في الإجراءات - إجراءات جوهرية مسها بالبطلان.
- ■انعدام أو قصور الأسباب - حكم بلا تعليل أو بتعليل ناقص.
- ■عدم البت في وجه الطلب أو أحد طلبات النيابة العامة - أغفل الحكم طلباً.
- ■تناقض القرارات القضائية الصادرة من جهات مختلفة في آخر درجة، أو التناقض فيما قضى به الحكم نفسه.
- ■مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه - الوجه النقضي المركزي.
- ■انعدام الأساس القانوني - حكم لا سند له في القانون.
الإثارة من تلقاء النفس: يجوز للمحكمة العليا أن تثير من تلقاء نفسها الأوجه السابقة الذكر - ولو لم يطلبها الطاعن.
النقض مراقبة قانونية، لا محاكمة جديدة: فلو جاز الطعن بأي سبب، لأعيدت مناقشة الوقائع كلها أمام المحكمة العليا - فحصر الأوجه في ثمانية يركز الرقابة على قانونية الأحكام. ومع ذلك، ليس القانون حبراً شكلياً: فإذا أخطأت المحكمة السفلى خطأً بيناً لم يلتفت إليه الطاعن، تثيره المحكمة العليا من تلقاء نفسها - فالقانون يُصان حتى لمن أساء صياغة طعنه.
ثانياً: بطلان القرار لعدم التشكيلة الكاملة (المادة 546)
نص المادة 546: "يصرح ببطلان هذه القرارات إذا لم تصدر من هيئة المحكمة بتشكيلتها الكاملة وفقاً لما هو منصوص في التنظيم القضائي أو إذا صدرت من طرف قضاة لم يحضروا جميع جلسات القضية أو لم يكونوا منوبين نيابة شرعية. إذا خصصت عدة جلسات لنفس القضية يفترض أن القضاة الذين شاركوا في إصدار القرار قد حضروا كل هذه الجلسات. ويصرح أيضاً ببطلانها إذا صدرت بدون أن يستمع للنيابة العامة إذا كانت هذه الشكلية مفروضة قانوناً."[2]
البطلان يقع:
- ■إذا لم يصدر القرار من هيئة المحكمة بتشكيلتها الكاملة وفقاً للتنظيم القضائي - عدد القضاة المقرر.
- ■إذا صدر من قضاة لم يحضروا جميع جلسات القضية - فلن يصدر الحكم إلا من سمع القضية كلها.
- ■إذا صدر من قضاة لم يكونوا منوبين نيابة شرعية - لا نيابة بلا تفويض صحيح.
- ■إذا صدر بدون أن يستمع للنيابة العامة - متى كانت هذه الشكلية مفروضة قانوناً.
القرينة: إذا خصصت عدة جلسات للقضية، يفترض أن القضاة الذين شاركوا في إصدار القرار قد حضروا كل هذه الجلسات - قرينة قابلة للدحض.
هيئة المحكمة مصدر مشروعية الحكم: قاضٍ لم يستمع للقضية كاملة لا يمكن أن يحكم فيها - فمن لم يشهد المرافعات حكم في غيب معرفته. والتشكيلة الكاملة والنيابة الشرعية ضمانات عدالة شكلية جوهرية: من تصور القرار بيد من صدر، ومنه نفهم عدله. والقرينة المفترضة تحل مشكلة الجلسات المتعددة عملياً، بينما يبقى البطلان حارساً لجوهر المحاكمة: من سمع قضى.
ثالثاً: انعدام التعليل (المادة 547)
نص المادة 547: "يصرح ببطلان القرارات والأحكام النهائية إذا كانت لا تحتوي على تعليل أو كانت معللة تعليلاً لا يمكن المحكمة العليا من ممارسة مراقبتها أو معرفة ما إذا كان القانون قد احترم في منطوق الحكم. وكذلك الشأن عند إغفال البت في طلب فأكثر من طلبات الأطراف أو النيابة العامة أو الامتناع عن البت فيه."[3]
البطلان يقع في حالتين:
- ■انعدام التعليل - القرار لا يحتوي على تعليل أصلاً.
- ■تعليل يمنع المراقبة - معلل تعليلاً لا يمكن المحكمة العليا من ممارسة مراقبتها، أو من معرفة هل احترم القانون في منطوق الحكم - تعليل مبهم أو غير مؤدٍ.
الحالة الثالثة: وكذلك الشأن عند إغفال البت في طلب فأكثر من طلبات الأطراف أو النيابة العامة، أو الامتناع عن البت فيه.
التعليل ضمير الحكم: به يقتنع المحكوم له والمحكوم عليه، وبه تثبت مراقبة المحكمة العليا. فالقرار الذي لا يعلل كالصدى بلا صوت - لا يعرف أحد لماذا قضى القاضي كما قضى، ولا يستطيع النقض أن يراقب ما لا يفهمه. وإغفال البت في طلب ظلم صامت: طلب قُدم فلم يُجب عنه - فبطلان الحكم عندئذ يضمن أن كل طلب يلقى جواباً، وكل حكم يعلل قضاءه.
رابعاً: تحديد اختصاص المحكمة الجنائية (المادة 548)
نص المادة 548: "يتحدد اختصاص المحكمة الجنائية نهائياً في المادة الجنائية، ولا تثار عيوب الإجراءات السابقة بعد ما يصبح أمر الإحالة الصادر من قاضي التحقيق نهائياً أو عندما تقع الإحالة من غرفة الاتهام."[4]
القاعدة: يتحدد اختصاص المحكمة الجنائية نهائياً في المادة الجنائية - لا تتردد المحكمة الجنائية في اختصاصها بلا نهاية.
الأثر: لا تثار عيوب الإجراءات السابقة بعد ما يصبح أمر الإحالة الصادر من قاضي التحقيق نهائياً، أو عندما تقع الإحالة من غرفة الاتهام - فالإحالة النهائية تطهر السابق عليها.
المحكمة الجنائية محكمة الجنايات: تنتظرها قضية كبيرة تتطلب الاستقرار. فلو جاز لكل متهم إثارة عيوب مرحلة التحقيق بعد الإحالة النهائية، تعطلت المحاكمة في كل دورة بطلبات فرعية لا تنتهي. فقرر المشرع: الإحالة النهائية (بقاضي التحقيق) أو الإحالة من غرفة الاتهام تقطع الطريق على العيوب السابقة - الاستقرار الإجرائي في خدمة العدالة: قضية أحيلت نهائياً، تحاكم.
خامساً: العقوبة غير المقررة قانوناً (المادة 549)
نص المادة 549: "في المادة الجنائية وفي الحالة التي يحكم فيها على المتهم إذا صدر الحكم بعقوبة غير العقوبة المقررة قانوناً لهذه الجريمة فإنه يمكن إثارة بطلان هذا القرار من طرف النيابة العامة أو الطرف المحكوم عليه."[5]
الحالة: في المادة الجنائية، حكم على المتهم بعقوبة غير العقوبة المقررة قانوناً لهذه الجريمة - كمصادرة لم ينص عليها، أو عقوبة من نوع آخر، أو حد مخالف.
النتيجة: يمكن إثارة بطلان هذا القرار - النقض لخرق القانون.
أصحاب الإثارة: النيابة العامة أو الطرف المحكوم عليه - لا من لا علاقة له بالعقوبة.
العقوبة نتاج النص لا مزاج القاضي: الجريمة تعرف عقوبتها من القانون - مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. فحكم بعقوبة غير مقررة اختراق صريح لهذا المبدأ: إما تشديد (ظلم للمحكوم عليه)، وإما تخفيف غير مشروع (مساس بالعدالة والنظام). لذلك فُتح باب البطلان للنيابة وللمحكوم عليه معاً - كل من جانبي العدالة يحمي نصاب العقوبة: لا عقوبة إلا بنص.
سادساً: قرارات البراءة (المادة 550)
نص المادة 550: "وتتمتع النيابة العامة بنفس الإمكانية ضد قرارات البراءة المشار إليها في المادة 302 إذا بني القرار على عدم وجود نص قانوني جنائي، بينما هو موجود فعلاً."[6]
الإمكانية: النيابة العامة تتمتع بنفس الإمكانية (إثارة بطلان القرار) ضد قرارات البراءة المشار إليها في المادة 302.
الشرط: أن يكون القرار قد بني على عدم وجود نص قانوني جنائي بينما هو موجود فعلاً - البراءة لخطأ قانوني صريح لا لبراءة حقيقية.
البراءة المبنية على عدم وجود نص رغم وجوده ليست براءة وقائع - إنها خطأ قانوني فادح: المتهم الذي كان جريمة عمله منصوصاً عليها، برّئ لأن المحكمة لم تعرف النص! فلما كان المجني عليه والمتهم قد يخضعان لمصير خاطئ، أعطى القانون النيابة العامة - حارسة القانون - سلطة تصحيح هذا الانحراف: فبراءة على وهم عدم النص لا تستقر إذا كان النص قائماً. أما البراءة الواقعية في وقائعها، فهي شأن المحكمة العليا في حدود الأوجه القانونية.
سابعاً: الغلط في الاستشهاد بالنص (المادة 551)
نص المادة 551: "عندما تكون العقوبة المصرح بها مساوية للعقوبة المنصوص عليها في القانون الذي ينطبق على الجريمة فليس لأي طرف أن يطلب إبطال القرار بناء على الغلط في الاستشهاد بالنص القانوني."[7]
الحالة: الحكم صرح بعقوبة مساوية للعقوبة المنصوص عليها في القانون الذي ينطبق على الجريمة - العقوبة نفسها صحيحة.
غير أن الحكم أخطأ في الاستشهاد بالنص - ذكر نصاً غير النص الصحيح أو أخطأ رقمه.
الأثر: ليس لأي طرف أن يطلب إبطال القرار بناء على هذا الغلط وحده - فالنتيجة صحيحة والغلط شكلي.
النقض وسيلة تصحيح لا حيلة شكلية: جوهر النقض حماية الحق من خرق القانون. فإذا كانت العقوبة المصرح بها مساوية تماماً للعقوبة المقررة، فالغلط في الاستشهاد بالنص لم يضر أحداً - العدالة أصيبت في جوهرها ولو جرى القلم في رقم المادة. فإبطال القرار عندئذ إضاعة وقت ومصروفات بلا فائدة - لذلك أغلق المشرع الباب: لا بطلان حيث لا ضرر، والعبرة بالمنطوق الصحيح لا بحرفية الاستشهاد.
ثامناً: حدود وسائل عدم الاختصاص (المادة 552)
نص المادة 552: "ليس لأي أحد أن يقدم كوسيلة نقض عدم اختصاص محكمة الجنح أو المخالفات عندما تكون هذه المحكمة قد تعهدت بقرار إحالة صادر من المحكمة العليا في غرفة المشورة. لا يجوز لأي أحد أن يتمسك ضد الطرف المقامة عليه الدعوى بمخالفة أو انعدام قواعد مقررة لتأمين دفاع ذلك الطرف."[8]
القيد الأول: ليس لأي أحد أن يقدم كوسيلة نقض عدم اختصاص محكمة الجنح أو المخالفات، عندما تكون هذه المحكمة قد تعهدت بقرار إحالة صادر من المحكمة العليا في غرفة المشورة - فإحالة المحكمة العليا حسمت الاختصاص.
القيد الثاني: لا يجوز لأي أحد أن يتمسك ضد الطرف المقامة عليه الدعوى بـ مخالفة أو انعدام قواعد مقررة لتأمين دفاع ذلك الطرف - فقواعد الدفاع لا يستغلها الخصم ضد صاحبها.
القيد الأول احترام لسلطان المحكمة العليا: إذا أحالت هي بنفسها القضية لمحكمة الجنح أو المخالفات في غرفة المشورة، فقد قضت في الاختصاص حكماً نهائياً - فقبول وسيلة نقض ضد اختصاصها نقضٌ لقرارها بقرارها. والقيد الثاني حماية لحق الدفاع: قواعد الدفاع وضعت للطرف لا عليه - فتمسك خصمه بمخالفتها (بطلان لمصلحته هو) انقلاب على الغاية: فلا يجوز أن تكون ضمانات المتهم سلاحاً ضدّه - الدفاع حق يُصان لا ثغرة تُستغل.
خلاصة الدرس
- ■أوجه النقض ثمانية حصرية: عدم الاختصاص، تجاوز السلطة، مخالفة القواعد الجوهرية في الإجراءات، انعدام أو قصور الأسباب، عدم البت في طلبات الأطراف أو النيابة، التناقض بين القرارات أو في الحكم نفسه، مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه، وانعدام الأساس القانوني - وللمحكمة العليا إثارتها من تلقاء نفسها (م 545).
- ■بطلان القرارات الصادرة من هيئة ناقصة التشكيلة، أو من قضاة لم يحضروا كل الجلسات أو لم يكونوا منوبين نيابة شرعية، أو بدون استماع النيابة العامة عند فرضها قانوناً (م 546).
- ■بطلان القرارات بلا تعليل أو بتعليل يمنع المراقبة، وكذا عند إغفال أو الامتناع عن البت في طلب (م 547).
- ■اختصاص المحكمة الجنائية يتحدد نهائياً، ولا تثار عيوب الإجراءات السابقة بعد نهائية الإحالة من قاضي التحقيق أو وقوعها من غرفة الاتهام (م 548).
- ■الحكم بعقوبة غير المقررة قانوناً للجريمة قابل للبطلان بإثارة النيابة العامة أو الطرف المحكوم عليه (م 549).
- ■للهيابة العامة نفس الإمكانية ضد قرارات البراءة المشار إليها في المادة 302 المبنية على عدم وجود نص قانوني بينما هو موجود فعلاً (م 550).
- ■الغلط في الاستشهاد بالنص لا يبطل القرار إذا كانت العقوبة المصرح بها مساوية للمقررة في القانون المنطبق (م 551).
- ■لا تقبل وسيلة نقض عدم اختصاص محكمة الجنح أو المخالفات المتعهدة بإحالة من المحكمة العليا في غرفة المشورة، ولا التمسك بمخالفة قواعد مقررة لتأمين دفاع الغير ضد الطرف المقامة عليه الدعوى (م 552).

