الإقليمية الحقيقية والجرائم المرتبطة بالتراب الوطني
قاعدة الإقليمية الحقيقية في تحديد مكان ارتكاب الجريمة، ومتابعة الأجنبي عن الجرائم ضد أمن الدولة وزيف الخاتم والنقود الوطنية، والجرائم الاقتصادية المرتكبة في الدول المجاورة بشرط المعاملة بالمثل، وقواعد المتابعة وتحويل القضية - المواد 625 إلى 628 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■قاعدة الإقليمية الحقيقية: الجريمة تعتبر مرتكبة في التراب الوطني متى تم فيه عمل مميز لأحد أركانها المكونة لها (المادة 625).
- ■متابعة الأجنبي عن الجنايات والجنح ضد أمن الدولة وزيف الخاتم والنقود الوطنية المتداولة، بشرط القبض أو التسليم (المادة 626).
- ■متابعة الموريتاني عن جرائم الغابات والريف والصيد البحري والجمارك والضرائب غير المباشرة في الدول المجاورة بشرط المعاملة بالمثل (المادة 627).
- ■قواعد المتابعة: طلب النيابة العامة لمحل إقامة المتهم أو آخر مقر معروف له أو مكان القبض عليه، وتحويل القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة (المادة 628).
أولاً: قاعدة الإقليمية الحقيقية (المادة 625)
نص المادة 625: "تعتبر مرتكبة في التراب الوطني كل جريمة يكون عمل من الأعمال المميزة لأحد أركانها المكونة لها قد تم في موريتانيا."[1]
المبدأ - الجريمة الموحدة: الجريمة التي تمتد عناصرها عبر الحدود لا تتجزأ: إذا تم عمل من الأعمال المميزة لأحد أركانها في موريتانيا، اعتبرت الجريمة كلها مرتكبة في التراب الوطني، ولو وقعت بقية الأعمال في الخارج.
العمل المميز: لا يلزم أن تقع الجريمة كاملة في التراب الوطني - يكفي أن يتم في موريتانيا عمل من الأعمال المميزة للجريمة، كبدء التنفيذ أو إعداد الوسائل أو إتمام الركن المادي.
الركن المميز: يكفي أن يكون العمل مميزاً لأحد أركان الجريمة المكونة لها - سواء كان الركن المادي أو المعنوي أو الشرعي - فتحسب الجريمة كلها كأنها ارتكبت في موريتانيا.
الأثر: تختص المحاكم الموريتانية بنظر الجريمة كلها ولو وقعت بقية عناصرها في الخارج - تطبيقاً لقاعدة الإقليمية الحقيقية التي تغلب على قاعدة الإقليمية البسيطة.
الجريمة العابرة للحدود (احتيال يبدأ في موريتانيا وينتهي في الخارج، سرقة تعّد وسائلها هنا وتنفذ هناك...) عملٌ متصل لا يمكن تقطيعه جغرافياً دون إفلات الجاني: فلو اشترط القانون وقوع الجريمة كلها في التراب، لاختفى الاختصاص كلما انقسم النشاط الإجرامي بين دولتين. فجعل المشرع العمل المميز (أي عنصر جوهري من أركان الجريمة) سنداً كافياً للاختصاص - فلا يحمي الحدود من يقتل بيدٍ على الضفة الأخرى - فموريتانيا لا تتنازل عن جريمة بدأت في ديارها، والجاني لا ينجو بمجرد عبوره خطاً حدودياً. كما أن هذه القاعدة تخدم التعاون القضائي: فكل دولة تملك سند اختصاص لا تتنازع مع غيرها على لا أحد.
شخص أرسل من نواكشوط رسائل إلكترونية احتيالية إلى ضحايا في دولة مجاورة، فتسلموا أموالهم في الخارج. رغم أن النتيجة المالية تمت خارج موريتانيا، فإن الأعمال التحضيرية والإرسال تمت في نواكشوط - فهي أعمال مميزة للركن المادي للاحتيال - فتعتبر الجريمة مرتكبة في التراب الوطني وتختص بها المحاكم الموريتانية.
ثانياً: متابعة الأجنبي عن الجرائم ضد أمن الدولة (المادة 626)
نص المادة 626: "كل أجنبي ارتكب خارج التراب الوطني جناية أو جنحة ضد أمن الدولة أو زيف خاتمها أو نقودها الوطنية المتداولة سواء كان فاعلاً أصلياً أو شريكاً يمكن أن يتابع ويحاكم طبقاً للقوانين الموريتانية إذا ألقي عليه القبض في موريتانيا أو حصلت الحكومة على تسليمه لها."[2]
الجرائم المشمولة: الجريمة المرتكبة خارج التراب الوطني ضد مصالح موريتانيا الجوهرية، وهي:
- ■الجناية أو الجنحة ضد أمن الدولة - في صورها المختلفة.
- ■زيف خاتم الدولة - أي خاتمها الرسمي المستعمل في معاملاتها.
- ■زيف نقودها الوطنية المتداولة - تزوير العملة الوطنية.
الأشخاص المشمولون: كل أجنبي - سواء كان فاعلاً أصلياً أو شريكاً - فجنسية الجاني لا تحميه من المساس بمصالح الدولة.
شرطا المتابعة - بديلان: لا تجري المتابعة إلا إذا توفر أحدهما:
- ■ألقي القبض عليه في موريتانيا - فصار بين يدي القضاء الموريتاني.
- ■أو حصلت الحكومة الموريتانية على تسليمه لها من الدولة التي يوجد فيها.
قانون المحاكمة: يحاكم في هذه الحالات طبقاً للقوانين الموريتانية كما لو ارتكبت الجريمة في التراب الوطني.
مبدأ إقليمية القانون الجنائي قاعدته ألا يحاكم إلا من وقع جرمه في التراب - لكن الجرائم الموجهة ضد كيان الدولة نفسها (أمنها، خاتمها الرسمي، عملتها) استثناء مشروع: فالجاني الأجنبي الذي يزور العملة الموريتانية أو يهاجم أمن الدولة يضرب الدولة في صميمها، وموريتانيا خصم أصلي له لا يمكن أن تتخلى عنه لقضاء آخر. وقد عوّض المشرع التعدي على الإقليمية بشرطي القبض أو التسليم: فالمتابعة لا تكون إلا حين يكون المتهم في متناول القضاء الموريتاني فعلاً - فلا تصدر أحكام صورية بحق غائب لا يمكن الوصول إليه - حماية الدولة من الخارج لا تخل بضمانات العدالة الداخلية.
أجنبي متهم بتزوير عملة موريتانية في دولة أجنبية، دخل موريتانيا لاحقاً بأوراق مزورة، فألقي القبض عليه في نواكشوط: يمكن متابعته ومحاكمته طبقاً للقوانين الموريتانية عن الجريمة المرتكبة في الخارج، لتوفر شرط القبض في موريتانيا. وكذلك لو حصلت الحكومة على تسليمه من الدولة التي لجأ إليها.
ثالثاً: الجرائم المرتكبة في الدول المجاورة (المادة 627)
نص المادة 627: "يمكن أن يتابع كل موريتاني يرتكب جنحة أو مخالفة في مجال الغابات أو الريف أو الصيد البحري أو الجمارك أو الضرائب غير المباشرة على تراب إحدى الدول المجاورة ويحاكم في موريتانيا حسب القانون الموريتاني، إذا كانت هذه الدولة تسمح بمتابعة مواطنيها لنفس الوقائع المرتكبة في موريتانيا. تثبت هذه المعاملة بالمثل قانوناً بواسطة الاتفاقيات الدولية أو بواسطة مرسوم."[3]
الجرائم المشمولة: الجنح والمخالفات المرتكبة في ميادين اقتصادية محددة على تراب إحدى الدول المجاورة لموريتانيا:
- ■الغابات - كالقطع والحرق غير القانوني.
- ■الريف - كالرعي والتعدي على الأراضي.
- ■الصيد البحري - كالصيد غير المرخص في المياه المجاورة.
- ■الجمارك - كالتهريب والمعاملات الجمركية المخالفة.
- ■الضرائب غير المباشرة - كالتهرب من الرسوم غير المباشرة.
شرط المعاملة بالمثل: أن تكون الدولة المجاورة تسمح بمتابعة مواطنيها لنفس الوقائع المرتكبة في موريتانيا - أي المعاملة نفسها بالاتجاهين: موريتانيا تتابع مواطنها عما فعله هناك، على أن تفعل الدولة المجاورة مثلها مع مواطنيها عما يفعلونه هنا.
إثبات المعاملة بالمثل: تثبت قانوناً بواسطة إحدى وسيلتين: الاتفاقيات الدولية المبرمة مع الدولة المعنية، أو مرسوم يتضمن هذه المعاملة بالمثل.
قانون المحاكمة: يحاكم الموريتاني في هذه الحالة حسب القانون الموريتاني في موريتانيا - تطبيقاً لسيادة الدولة على مواطنيها حتى عن الجرائم المرتكبة في الخارج.
الميادين الخمسة (الغابات، الريف، الصيد البحري، الجمارك، الضرائب غير المباشرة) ميدان اقتصادي حدودي مشترك: ترعى قطعان المواطنين على الضفة المجاورة، ويصطاد صيادوها في مياه الجوار، وتختلط المعاملات الجمركية بين الدولتين - فالجرائم فيها مرتبطة بالجوار الجغرافي ولا يمكن حصرها بالحدود الرسمية. وشرط المعاملة بالمثل هو ضابط التوازن: موريتانيا لا تطلب من جارتها أكثر مما تعطيه - متابعة متبادلة متكافئة تحترم سيادة كل دولة على إقليمها، وتصان بوسيلة رسمية (اتفاقية دولية أو مرسوم) حتى لا تترك المسألة للتقدير الفردي، وحتى يعلم كل مواطن أنه خاضع للقانون الموريتاني حتى في ضفة النهر الأخرى.
موريتاني يعمل في الصيد التقليدي وقعت له مخالفة صيد في المياه الإقليمية لدولة مجاورة، ثم عاد إلى موريتانيا. يمكن متابعته أمام المحاكم الموريتانية عن هذه المخالفة إذا كانت الدولة المجاورة تسمح بدورها بمتابعة مواطنيها عن المخالفات نفسها المرتكبة في موريتانيا، وكانت هذه المعاملة بالمثل مثبتة باتفاقية دولية بين البلدين أو بمرسوم - ويحاكم حينئذ حسب القانون الموريتاني.
رابعاً: قواعد المتابعة وتحويل القضية (المادة 628)
نص المادة 628: "في الحالات الواردة في هذا الباب تجري المتابعة بناء على طلب النيابة العامة لمحل إقامة المتهم أو آخر مقر معروف له أو مكان القبض عليه.[4] وتحيل المحكمة العليا، بناء على طلب من النيابة العامة أو الأطراف، القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة."[5]
طلب المتابعة: تجري المتابعة في الحالات الواردة في هذا الباب (المواد 621 إلى 627) بناء على طلب النيابة العامة - فهي صاحبة الاختصاص في تحريك الدعوى في هذه الجرائم ذات الطابع الدولي.
النيابة المختصة - على الترتيب:
- ■النيابة العامة لمحل إقامة المتهم.
- ■أو لآخر مقر معروف له - إذا لم تكن له إقامة معلومة.
- ■أو لمكان القبض عليه - في الحالات التي يتعذر فيها ضبط مقر معلوم.
تحويل القضية (ف2): المحكمة العليا - بناء على طلب من النيابة العامة أو الأطراف - تحيل القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة: فمع أن المتابعة بدأت أمام نيابة مرتبطة بالمتهم، يمكن نقل القضية إلى المحكمة الأقرب لمكان الجريمة، ليقرب البت فيها من موقع الوقائع.
في الجرائم المرتكبة في الخارج، محل ارتكاب الجريمة غير متاح للقضاء الموريتاني - فلو ربط الاختصاص به وحده لتعذر تحديد أي محكمة تختص. فربط المشرع المتابعة بمراكز ترتبط بشخص المتهم: إقامته، أو آخر مقر معروف له، أو مكان القبض عليه - وهي عناصر قريبة من الواقع العملي ويسهل التحقق منها، وتضمن أيضاً اقتراب المتهم من محكمة تعرفه. غير أن هذه الروابط ليست جامدة: فإذا اقتضت المصلحة - بأن كانت الوقائع والاستدلالات تتمركز في مكان آخر، كمنطقة الحدود مع الدولة التي وقعت فيها الجريمة - تدخلت المحكمة العليا، بناء على طلب النيابة أو الأطراف، فحوّلت القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة: المرونة في بدء المتابعة، والحكمة في تحديد المحكمة.
تسري هذه القاعدة على جميع الحالات الواردة في الباب العاشر (المواد 621 إلى 627): متابعة الموريتاني عن الجرائم المرتكبة في الخارج، والمشاركة على التراب الوطني، والشروط الخاصة بالجنح المرتكبة ضد الأفراد، والجرائم ضد أمن الدولة، والجرائم في الدول المجاورة.
موريتاني مقيم في نواكشوط وقعت له جنحة غابات في منطقة حدودية مع دولة مجاورة. تبدأ المتابعة بناء على طلب النيابة العامة لمحل إقامته (نواكشوط). وإذا طلبت النيابة العامة أو أحد الأطراف ذلك، جاز للمحكمة العليا أن تحيل القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة - كأن تحيلها إلى محكمة الولاية الحدودية القريبة من مكان الواقعة - لتقارب مكان البحث في الأدلة والاستدلالات.
خلاصة الدرس
- ■الجريمة تعتبر مرتكبة في التراب الوطني متى تم في موريتانيا عمل مميز لأحد أركانها المكونة لها، ولو وقعت بقية عناصرها في الخارج (قاعدة الإقليمية الحقيقية) (م 625).
- ■الأجنبي الذي يرتكب في الخارج جناية أو جنحة ضد أمن الدولة أو زيف خاتمها أو نقودها الوطنية المتداولة يتابع أمام المحاكم الموريتانية إذا ألقي القبض عليه في موريتانيا أو حصلت الحكومة على تسليمه لها (م 626).
- ■الموريتاني الذي يرتكب في الدول المجاورة جنحة أو مخالفة في مجال الغابات أو الريف أو الصيد البحري أو الجمارك أو الضرائب غير المباشرة يتابع في موريتانيا بشرط المعاملة بالمثل، المثبتة باتفاقيات دولية أو بمرسوم (م 627).
- ■تجري المتابعة في هذه الحالات بناء على طلب النيابة العامة لمحل إقامة المتهم أو آخر مقر معروف له أو مكان القبض عليه (م 628 ف1).
- ■للمحكمة العليا، بناء على طلب من النيابة العامة أو الأطراف، أن تحيل القضية إلى أقرب محكمة لمحل ارتكاب الجريمة (م 628 ف2).

