الجنايات والجنح المرتكبة في الخارج
متابعة الموريتاني عن الجرائم المرتكبة في الخارج: قاعدة الإقليمية الشخصية وشروطها (الجناية دون شرط، والجنحة بشرط ازدواج التجريم)، وامتدادها إلى من اكتسب الجنسية بعد ارتكاب الواقعة، ومتابعة المشارك على التراب الوطني، والشروط الخاصة بالجنح المرتكبة ضد الأفراد، وقاعدة انعدام المتابعة بعد الحكم الأجنبي النهائي - المواد 621 إلى 624 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■قاعدة متابعة الموريتاني عن الجرائم المرتكبة في الخارج: الجناية دون شرط والجنحة بشرط ازدواج التجريم (المادة 621).
- ■امتداد القاعدة إلى من اكتسب الجنسية الموريتانية بعد ارتكاب الواقعة (المادة 621).
- ■متابعة من شارك على التراب الوطني في جريمة مرتكبة في الخارج، باشتراط ازدواج التجريم والقرار الأجنبي النهائي (المادة 622).
- ■الشروط الخاصة بمتابعة الجنح المرتكبة ضد الأفراد: طلب النيابة العامة والشكوى أو التبليغ الرسمي (المادة 623).
- ■قاعدة انعدام المتابعة بعد صدور حكم أجنبي نهائي، أو وفاء العقوبة أو تقادمها أو العفو عنها (المادة 624).
أولاً: متابعة الموريتاني عن الجرائم المرتكبة في الخارج (المادة 621)
نص المادة 621: "يمكن أن يتابع كل موريتاني يرتكب في الخارج واقعة موصوفة بأنها جناية في القانون الموريتاني، ويحاكم من طرف المحاكم الموريتانية. وكل موريتاني يرتكب في الخارج واقعة موصوفة بأنها جنحة في القانون الموريتاني يمكن أن يتابع ويحاكم من طرف المحاكم الموريتانية إذا كانت الواقعة يعاقب عليها قانون البلد الذي ارتكبت فيه. وتطبق مقتضيات الفقرتين الأولى والثانية على مرتكب الواقعة ولو لم يحصل على الجنسية الموريتانية إلا بعد ارتكاب الواقعة المنسوبة إليه."[1]
المبدأ العام - الإقليمية الشخصية: المشرع يمدّ سلطان القانون الموريتاني إلى الموريتاني الذي يرتكب جريمة خارج التراب الوطني، فيتابع ويحاكم أمام المحاكم الموريتانية - فالجنسية الموريتانية سندٌ للمتابعة، ولو وقع الفعل في دولة أجنبية.
الحالة الأولى - الجناية (ف1): الجناية المرتكبة في الخارج تُتابع دون اشتراط أي شرط إضافي: يكفي أن تكون الواقعة موصوفة بأنها جناية في القانون الموريتاني، سواء كان قانون بلد ارتكابها يعاقب عليها أم لا - بالنظر إلى خطورة الجنايات وما تمثله من خطر على النظام العام، مما يبرر شمولها بالإقليمية الشخصية بصورة مطلقة.
الحالة الثانية - الجنحة (ف2): الجنحة المرتكبة في الخارج لا تتابع إلا بشرط ازدواج التجريم: أن تكون الواقعة معاقباً عليها في القانون الموريتاني وفي قانون البلد الذي ارتكبت فيه معاً. فإذا كانت الواقعة مباحة في بلد ارتكابها انتفت إمكانية المتابعة في موريتانيا - احتراماً لسيادة القانون الأجنبي وثقة المواطن في شرعية عمله.
الحالة الثالثة - اكتساب الجنسية لاحقاً (ف3): تطبق مقتضيات الفقرتين السابقتين على مرتكب الواقعة ولو لم يحصل على الجنسية الموريتانية إلا بعد ارتكاب الواقعة المنسوبة إليه - فاكتساب الجنسية الموريتانية لاحقاً يخضع صاحبه للإقليمية الشخصية عن الجرائم السابقة على التجنس.
الجريمة الخارجية تمس سيادة الدولة وأمنها ومصالحها حتى لو وقعت خارج ترابها - فالقانون الموريتاني يطاردها بموجب الإقليمية الشخصية. أما التفاوت بين الدرجتين فله منطقه: الجناية شديدة الخطورة (قتل، اغتصاب، سرقة كبرى...) فلا يجوز أن يفلت مرتكبها من العقاب لمجرد أن بلد ارتكابها لم يعاقب عليها - فالجريمة الكبرى تبقى جريمة في نظر القانون الموريتاني أينما وقعت. أما الجنحة فهي أقل خطراً، فاشترط المشرع ازدواج التجريم كي لا يتابع الموريتاني عن سلوك كان مباحاً في البلد الذي مارسه فيه: فلا يُفاجأ المواطن بعقاب على ما اعتقده مباحاً، ولا تُصادر سيادة القانون الأجنبي على وقائعه اليسيرة - الجناية تتبع الجاني، والجنحة تراعي القانون المحلي.
موريتاني يقيم في دولة مجاورة ارتكب جناية اختلاس أموال عمومية - وهي في القانون الموريتاني جناية، وفي قانون بلد ارتكابها مجرد مخالفة تأديبية: يتابع في موريتانيا عن جنايته دون اعتبار لوصف القانون الأجنبي. ولو ارتكب بدلها جنحة (مثل نصب بسيط) كانت مباحة في بلد ارتكابها، لانتفت المتابعة في موريتانيا لانعدام ازدواج التجريم. ولو اكتسب الجنسية الموريتانية بعد ارتكاب الواقعة بأشهر، لسريت القاعدة ذاتها عليه استناداً إلى الفقرة الثالثة من المادة 621.
ثانياً: المشاركة على التراب الوطني في جريمة مرتكبة في الخارج (المادة 622)
نص المادة 622: "كل من شارك على التراب الوطني في جناية أو جنحة مرتكبة في الخارج يجوز أن يتابع من أجلها ويحاكم فيها من طرف المحاكم الموريتانية إذا كانت الواقعة معاقباً عليها في كلا القانونين الأجنبي والموريتاني، وبشرط أن تكون الواقعة الموصوفة بأنها جناية أو جنحة قد ثبت ارتكابها بقرار نهائي من المحكمة الأجنبية."[2]
نطاق التطبيق: كل من شارك على التراب الوطني في جناية أو جنحة مرتكبة في الخارج - سواء أكان موريتانياً أم أجنبياً، لأن المادة لم تقيد المتابعة بجنسية معينة: فالجريمة وقعت في الخارج، لكن فعل الاشتراك وقع في موريتانيا، فيختص بها القضاء الموريتاني.
الشرط الأول - ازدواج التجريم: أن تكون الواقعة معاقباً عليها في كلا القانونين: القانون الأجنبي والقانون الموريتاني - حتى لا يتابع المشارك عن واقعة مباحة في أحد القانونين.
الشرط الثاني - القرار الأجنبي النهائي: أن تكون الواقعة الموصوفة بأنها جناية أو جنحة قد ثبت ارتكابها بقرار نهائي من المحكمة الأجنبية - فلا يكفي الادعاء أو التحقيق الجاري في الخارج، بل لا بد من حكم أجنبي حائز لقوة الشيء المقضي به.
التكامل مع المادة 621: الأولى تتابع الفاعل الموريتاني عن الجريمة الخارجية، والثانية تتابع من ساهم فيها من التراب الوطني - بما يغطي صور الاشتراك العابرة للحدود.
لأن فعل المشاركة تتوقف إدانته على ثبوت الجريمة الأصلية: لا مشارك بلا جريمة رئيسية. فلو اكتفت موريتانيا بالادعاءات الأولية لجرّت مواطناً إلى المحاكمة عن جريمة قد لا تثبت أصلاً في بلد ارتكابها. فشرط القرار الأجنبي النهائي يضمن أن تكون الجريمة الأصلية مؤكدة قضائياً قبل متابعة من ساهم فيها من داخل التراب، ويحول دون المحاكمة عن وقائع خيالية أو معلقة. واشتراط ازدواج التجريم يحمي المشارك من ازدواج المعايير: فلا يتابع إلا عن واقعة جريمة في النظامين معاً.
أجنبي مقيم في نواكشوط سهّل لشريكه موريتاني تصدير أموال متحصلة من احتيال وقع في دولة مجاورة. وبعد أن صدر حكم نهائي من محكمة تلك الدولة بإدانة الفاعل الأصلي عن الجريمة - وهي معاقب عليها في القانونين الموريتاني والأجنبي - جاز متابعة هذا المشارك ومحاكمته أمام المحاكم الموريتانية عن اشتراكه، مع أن فعل الاشتراك وقع كله في موريتانيا والجريمة الأصلية وقعت في الخارج.
ثالثاً: الشروط الخاصة بمتابعة الجنح المرتكبة ضد الأفراد (المادة 623)
نص المادة 623: "لا يجوز أن تجرى المتابعة في حالة ما إذا كانت الجنحة مرتكبة ضد أحد الأفراد إلا بناء على طلب من النيابة العامة. ويجب كذلك أن تكون مسبوقة بشكوى من المتضرر أو تبليغ رسمي من سلطة الدولة التي ارتكبت الواقعة فيها إلى السلطة الموريتانية."[3]
الشرط الأول - طلب النيابة العامة: لا تجرى المتابعة في الجنح المرتكبة ضد الأفراد إلا بناء على طلب من النيابة العامة - فالنيابة هي صاحبة القرار في تحريك المتابعة، لا من تلقاء نفسها بل بطلبٍ منها محدد.
الشرط الثاني - الشكوى أو التبليغ الرسمي: يجب أن تكون المتابعة مسبوقة بإحدى وسيلتين:
- ■شكوى من المتضرر من الجريمة - أي المجني عليه شخصياً.
- ■أو تبليغ رسمي من سلطة الدولة التي ارتكبت الواقعة فيها إلى السلطة الموريتانية - عبر القنوات الرسمية بين الدولتين.
النتيجة: إذا انعدمت الشكوى أو التبليغ الرسمي، انتفت المتابعة - لأن قيامها على إرادة المتضرر أو على طلب الدولة الأجنبية شرط جوهري في هذه الحالة.
الجنحة ضد الأفراد (إيذاء، تهديد، سب...) إنما تمس مصلحة شخصية لا مصلحة عامة كبرى - فالمتضرر وحده أدرى بما لحقه وبمصلحته في المتابعة. فلم يترك المشرع المتابعة لمبادرة القضاء الموريتاني وحده، بل جعلها معلقة على رغبة المتضرر أو على طلب الدولة الأجنبية التي وقعت الجريمة في إقليمها - احتراماً لسيادتها ولسلطتها على الوقائع الواقعة في ديارها، ومراعاةً للعلاقات الدولية: فلا يُفتح باب المتابعة في الجرائم الشخصية من طرف واحد دون مَن له المصلحة فيها. أما الجنايات والجنح التي تمس النظام العام فلا تستلزم هذه الشروط، لأن المصلحة العامة فيها هي الأساس.
هذه الشروط إنما تتعلق بالجنح المرتكبة ضد الأفراد؛ أما الجنايات والجنح التي تمس النظام العام فلا تستلزمها. كما أن المتابعة في جميع حالات هذا الباب تبقى دائماً جوازية بإرادة النيابة العامة - أي من حقها تقدير ملاءمتها - لا واجبة.
موريتاني ارتكب في دولة أجنبية جنحة إيذاء ضد مقيم في تلك الدولة، ثم عاد إلى موريتانيا. لا يمكن متابعته أمام المحاكم الموريتانية إلا إذا قدمت النيابة العامة طلباً بذلك، وكانت المتابعة مسبوقة بشكوى من المتضرر نفسه، أو بتبليغ رسمي من سلطات الدولة التي وقعت فيها الواقعة إلى السلطات الموريتانية. فإذا تنازل المتضرر عن شكواه أو لم يتبلغ السلطات الموريتانية رسمياً، لم تجرِ المتابعة.
رابعاً: قاعدة الحكم الأجنبي النهائي - انعدام المتابعة (المادة 624)
نص المادة 624: "في الحالات الواردة في المواد 621 إلى 623، وسواء تعلق الأمر بجناية أم جنحة، لا تقع أية متابعة إذا أثبت المتهم أنه قد حكم عليه نهائياً في الخارج، وفي حالة إدانته أنه قضى العقوبة أو انقضت بمرور الزمن أو حصل على العفو."[4]
نطاق القاعدة: تسري على جميع الحالات المنصوص عليها في المواد 621 إلى 623، وسواء تعلق الأمر بجناية أم جنحة - قاعدة عامة تختم الباب.
حالة الحكم الأجنبي النهائي: لا تقع أية متابعة إذا أثبت المتهم أنه قد حكم عليه نهائياً في الخارج - سواء صدر الحكم بالبراءة أم بالإدانة، فالذي فصل فيه قضاء أجنبي نهائياً لا يعاد النظر فيه.
حالة الإدانة: لا تقع المتابعة إذا أثبت المتهم أنه - في حالة إدانته في الخارج - تحقق أحد الأوضاع الثلاثة:
- ■قضى العقوبة المحكوم بها عليه في الخارج.
- ■أو انقضت بمرور الزمن - أي سقطت بالتقادم قبل تنفيذها.
- ■أو حصل على العفو عن العقوبة.
العبء على المتهم: المعيار أن يعرض المتهم الإثبات على المحكمة الموريتانية، فتتحقق القاعدة متى أقام الدليل على تحقق إحدى الحالات.
مبدأ عدم المحاكمة عن الجريمة نفسها مرتين (قاعدة منع الازدواج العقابي) هو جوهر هذه القاعدة: فمن فصل فيه قضاءٌ نهائي - سواء بالبراءة أو بالإدانة - لا يجوز فتح ملفه من جديد أمام قضاء آخر، وإلا لصار الشخص عرضة للاضطهاد المتوالي أمام قضاءات متعددة عن فعل واحد. فالحكم الأجنبي النهائي يتمتع بحجية الأمر المقضي به ما دام صادراً عن سلطة قضائية مختصة - ويضاف إليه احترام سلطان القضاء الأجنبي في نطاق ولايته. وأوضاع الإدانة الثلاثة (وفاء العقوبة، تقادمها، العفو) كلها تحقق الغاية من العقاب - فالمحكوم عليه الذي قضى عقوبته أو سقطت عنه قد استوفى ما عليه، فلا يعاقب ثانية عن الدين نفسه.
خلاصة القاعدة: الحكم الأجنبي النهائي (براءة أو إدانة مستوفاة أو متقادمة أو مشمولة بالعفو) يسد باب المتابعة في موريتانيا - امتناعاً عن معاقبة الشخص مرتين عن الجريمة نفسها، واحتراماً لسلطان القضاء الأجنبي في حدود سنده.
موريتاني حكم عليه نهائياً في فرنسا عن جنحة اختلاس وقعت هناك، وقضى عقوبته كاملة ثم عاد إلى موريتانيا. لا يمكن متابعته أمام المحاكم الموريتانية عن الواقعة نفسها استناداً إلى المادة 621: فقد ثبت أنه حكم عليه نهائياً في الخارج وقضى العقوبة. وكذلك لو حكم عليه بالبراءة نهائياً في الخارج، أو انقضت عقوبته بمرور الزمن، أو شملها عفو - ففي كل هذه الحالات لا تقع أية متابعة.
خلاصة الدرس
- ■الموريتاني يتابع أمام المحاكم الموريتانية عن الجناية المرتكبة في الخارج دون شرط، وعن الجنحة بشرط أن تكون معاقباً عليها في بلد ارتكابها (ازدواج التجريم) (م 621).
- ■اكتساب الجنسية الموريتانية بعد ارتكاب الواقعة لا يمنع المتابعة (م 621 ف3).
- ■من شارك على التراب الوطني في جناية أو جنحة مرتكبة في الخارج يتابع أمام المحاكم الموريتانية إذا كانت الواقعة معاقباً عليها في القانونين وثبت ارتكابها بقرار أجنبي نهائي (م 622).
- ■الجنحة المرتكبة ضد أحد الأفراد لا تتابع إلا بناء على طلب النيابة العامة، ومسبوقة بشكوى من المتضرر أو بتبليغ رسمي من سلطة الدولة التي وقعت فيها الجريمة (م 623).
- ■لا تقع أية متابعة إذا حكم على المتهم نهائياً في الخارج، وفي حالة الإدانة إذا قضى العقوبة أو انقضت بمرور الزمن أو حصل على العفو (م 624).

