الجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي
قواعد المتابعة والتحقيق والمحاكمة في جرائم الأمن الخارجي للدولة، واستثناء نشر الحكم الصادر من تحريم نشر المرافعات، والحجز الاحتياطي الإداري لوسائل النشر لحماية الدفاع الوطني - المواد 629 إلى 631 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■قاعدة سريان قواعد القانون العام على المتابعة والتحقيق والمحاكمة في جرائم الأمن الخارجي للدولة (المادة 629).
- ■استثناء نشر الحكم الصادر من تحريم نشر المرافعات المنصوص عليه في المادة 78 من القانون الجنائي (المادة 630).
- ■الحجز الاحتياطي ولو بالطريق الإداري للأشياء والمخطوطات والمطبوعات وسائر وسائل النشر بغرض تفادي نشر سر يتعلق بالدفاع الوطني (المادة 631).
أولاً: خضوع جرائم الأمن الخارجي لقواعد القانون العام (المادة 629)
نص المادة 629: "تقع المتابعة والتحقيق والمحاكمة في الجنايات والجنح المرتكبة ضد الأمن الخارجي للدولة حسب قواعد القانون العام."[1]
الجرائم المشمولة: الجنايات والجنح المرتكبة ضد الأمن الخارجي للدولة - وهي الجرائم المتعلقة بسلامة التراب الوطني والاستقلال والعلاقات الدولية (كالتآمر مع دول أجنبية، والتجسس، والمساس بسلامة الدولة من الخارج).
القواعد المطبقة: قواعد القانون العام في المتابعة والتحقيق والمحاكمة - أي نفس القواعد المطبقة على سائر الجرائم، دون إجراءات خاصة أو محاكم استثنائية أو آجال مغايرة.
الأثر: يبقى الاختصاص للقضاة والمحاكم العادية وفق القواعد العامة، فتتوفر للمتهم الضمانات القانونية كاملة حتى في هذه الجرائم الحساسة - المتابعة العادية، والتحقيق القضائي، والمحاكمة العلنية أمام المحكمة المختصة.
جرائم الأمن الخارجي من أخطر الجرائم - تمس الدولة في وجودها واستقلالها. والمنطق قد يوحي بمعاملتها بإجراءات استثنائية - لكن المشرع الموريتاني اختار العكس تماماً: قواعد القانون العام بكاملها. والحكمة مزدوجة: أولاً، أخطر الجرائم أولى بأشد الضمانات - فالاتهام الجسيم يحتاج إلى تحقيق رصين ومحاكمة عادلة أكثر مما يحتاج إلى سرعة مفرطة، وأخطاء العدالة في هذا الميدان كارثية السمعة على الدولة. وثانياً، قواعد القانون العام مجربة ومستقرة ومكفولة بالرقابة، فسلوكها يسير في مسار معروف لا مفاجآت فيه - عدالة الأمن الوطني عدالة عادية في قالبها، حاسمة في نتائجها.
اتهم شخص بالتآمر ضد الأمن الخارجي للدولة. يسير الملف بالمسار العادي: تباشر النيابة العامة المتابعة، ويحقق قاضي التحقيق وفق المواد العامة، وتنظر المحكمة الجنائية المختصة القضية بذات التشكيلة والقواعد المقررة لسائر الجنايات - دون محكمة خاصة أو مسطرة مغايرة.
ثانياً: استثناء نشر الحكم من تحريم نشر المرافعات (المادة 630)
نص المادة 630: "لا يطبق تحريم نشر المرافعات المتعلقة بالجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي المنصوص عليها في المادة 78 من القانون الجنائي على نشر الحكم الصادر."[2]
التحريم الأصلي: المادة 78 من القانون الجنائي تحرم نشر المرافعات المتعلقة بالجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي - حمايةً للأسرار التي قد تظهر أثناء المرافعات (طرق التحقيق، المصادر، المعلومات الحساسة).
الاستثناء: هذا التحريم لا يطبق على نشر الحكم الصادر في هذه الجرائم - أي أن نشر الحكم جائز مهما كان مضمونه.
التعليل: نشر الحكم يُعرف الرأي العام بنتيجة المحاكمة ويرسخ مبدأ علانية العدالة، في حين يبقى التحريم مقصوراً على المرافعات حمايةً للأسرار الوطنية التي قد تثار أثناءها.
الفرق بينهما فرق المصلحة: المرافعات مرحلة البحث والجدل - تظهر فيها عناصر التحقيق، وأسماء المصادر، والتقنيات السرية، وكل ما يجب أن يبقى بعيداً عن الأعداء؛ فنشرها يكشف أسرار الدولة أثناء الخصومة، وقد يعرقل العدالة نفسها بالضغط على الشهود أو على القضاة. أما الحكم فهو النتيجة النهائية الموثقة: نصٌ معتمد لا يحتوي أسرار التحقيق، ونشره يحقق علانية العدالة - فالناس يعلمون من حوكم وماذا قرر القضاء - دون كشف ما يمس الدفاع الوطني. فالمشرع فصل بين سرية التحقيق وعلانية النتيجة: يحمي الأول ليحسم الثاني.
حوكم متهم في قضية تجسس تتعلق بالأمن الخارجي للدولة. أثناء الجلسات، تمنع الصحافة من نقل المرافعات تطبيقاً للمادة 78 من القانون الجنائي. وبعد صدور الحكم، يجوز نشر مضمونه كاملاً - الإدانة أو البراءة والعلة المذكورة - لأنه استثناء صريح من التحريم.
ثالثاً: الحجز الاحتياطي الإداري لوسائل النشر (المادة 631)
نص المادة 631: "يمكن أن يقام بالحجز الاحتياطي ولو بالطريق الإداري للأشياء والمخطوطات والمطبوعات أو غير ذلك من وسائل النشر، وذلك بغرض تفادي نشر سر يتعلق بالدفاع الوطني."[3]
محل الحجز: الأشياء والمخطوطات والمطبوعات، أو غير ذلك من وسائل النشر - أي كل ما يمكن أن يحمل السر ويروج له: وثائق، تسجيلات، أشرطة، مواد رقمية...
الطريق: يجوز أن يكون الحجز احتياطياً ولو بالطريق الإداري - أي بمبادرة إدارية دون انتظار أمر قضائي سابق، لصعوبة الانتظار في الحالات التي يتهدد فيها السر خطر النشر الوشيك.
الغرض: تفادي نشر سر يتعلق بالدفاع الوطني - فهو إجراء وقائي استباقي غايته منع انتشار السر قبل وقوع الضرر.
طبيعته: إجراء استثنائي يبقى خاضعاً للرقابة القضائية اللاحقة - فلا يكون الحجز الإداري نهاية المطاف بل إجراءً تحفظياً وقائياً تليه مراجعة القضاء.
حماية الأسرار الدفاعية سباق مع الزمن: السر الذي يوشك على النشر لا ينتظر دور القضاء - فلو توقف الإجراء على استصدار أمر قضائي سابق، لانتشر السر في الأثناء ووقع الضرر الذي لا يُجبر. فخول المشرع للإدارة التحرك الفوري بالحجز الاحتياطي - بحكم قربها من المعلومة ومعرفتها بما يمس الدفاع - مع بقاء الضمانة في الرقابة اللاحقة: فالحجز الإداري ليس حكماً نهائياً على شيء، بل تجميد وقائي تعرضه لاحقاً على القضاء الذي يقرر الاستمرار فيه أو رفعه. السرعة في البداية، والعدالة في النهاية.
ملاحظة: الحجز بالطريق الإداري وسيلة استثنائية قررها المشرع لمواجهة حالات الخطر الوشيك على الدفاع الوطني، ولا تلغي هذه الصفة الاستثنائية خضوع الحجز فيما بعد لمراقبة السلطة القضائية.
علمت السلطات أن إحدى المطابع تستعد لإصدار كتيب يتضمن وثائق تتعلق بالدفاع الوطني. فوراً، حجزت الإدارة نسخ الكتيب والمخطوطة الأصلية بالطريق الإداري، دون انتظار أمر قضائي - تفادياً لنشر السر. ويُعرض الحجز لاحقاً على القضاء للفصل في مشروعيته ومدى استمراره.
خلاصة الدرس
- ■تقع المتابعة والتحقيق والمحاكمة في الجنايات والجنح ضد الأمن الخارجي للدولة حسب قواعد القانون العام (م 629).
- ■تحريم نشر المرافعات في جرائم الأمن الخارجي المنصوص عليه في المادة 78 من القانون الجنائي لا يطبق على نشر الحكم الصادر (م 630).
- ■يمكن الحجز الاحتياطي ولو بالطريق الإداري للأشياء والمخطوطات والمطبوعات وسائر وسائل النشر بغرض تفادي نشر سر يتعلق بالدفاع الوطني (م 631).

