تنفيذ الأحكام الجنائية
القائمون بالتنفيذ: النيابة العامة والأطراف والخزينة العامة، وشرط نهائية الحكم وطلب النيابة، والحق في اللجوء إلى القوة العمومية، والأحداث العارضة المتعلقة بالتنفيذ والفصل فيها في غرفة المشورة - المواد 632 إلى 636 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■القائمون بالتنفيذ: النيابة العامة والأطراف كل فيما يخصه، واختصاص الخزينة العامة باسم وكيل الجمهورية بتحصيل الغرامات والمصادرات (المادة 632).
- ■شرط التنفيذ: نهائية الحكم وطلب النيابة العامة، وعدم انسداد التنفيذ بالأجل المخول للمدعي العام في المادة 469 (المادة 633).
- ■الحق في اللجوء إلى القوة العمومية وضباط ووكلاء الشرطة القضائية لضمان التنفيذ (المادة 634).
- ■الأحداث العارضة محل النزاع: الاختصاص بها للمحكمة مصدرة الحكم، وتصحيح الأخطاء المادية المحضة (المادة 635).
- ■إجراءات البت في الحدث العارض في غرفة المشورة: الطلب والاستماع ووقف التنفيذ والتبليغ (المادة 636).
أولاً: القائمون بالتنفيذ (المادة 632)
يحدد المشرع من يتولى تنفيذ الأحكام الجنائية، ويفرق بين متابعة تنفيذ العقوبات وتحصيل المبالغ المالية المحكوم بها:
نص المادة 632: "تتابع النيابة العامة والأطراف التنفيذ، كل فيما يخصه. غير أن المتابعات من أجل تحصيل الغرامات والمصادرات تقع من طرف الخزينة العامة باسم وكيل الجمهورية."[1]
المبدأ: تنفيذ الأحكام الجنائية هو مهمة النيابة العامة في المقام الأول، باعتبارها صاحبة الدعوى العمومية والمسؤولة عن إجرائها، وتشاركها الأطراف - وخاصة الطرف المدني - فيما يخصهم من التنفيذ، أي في الحقوق التي قضي بها لهم.
الاستثناء - الغرامات والمصادرات: المتابعات من أجل تحصيل الغرامات والمصادرات المحكوم بها لا تقع من طرف النيابة العامة مباشرة، بل من طرف الخزينة العامة باسم وكيل الجمهورية؛ فالغرامة والمصادرة أموال تعود للدولة، فتتولى الخزينة جبايتها باعتبارها الجهة المكلفة بجباية الأموال العمومية، مع بقاء عملها باسم وكيل الجمهورية حفظاً لوحدة الدعوى العمومية.
لأن الغرامات والمصادرات ليست تعويضات للأفراد بل موارد مالية للدولة؛ ولهذا ناط المشرع تحصيلها بالجهاز المالي للدولة (الخزينة العامة) الذي يملك أدوات الجباية الإدارية، بينما بقيت العقوبات البدنية (السجن والإعدام) من اختصاص النيابة العامة وحدها، لأنها تدخل في صميم السلطة العامة على الأشخاص.
حكم على (س) بالحبس سنة واحدة وغرامة قدرها 100.000 أوقية وبردّ مبلغ 50.000 أوقية للطرف المدني (ع). هنا: الحبس يتابع تنفيذه النيابة العامة، والردّ يتابعه الطرف المدني فيما يخصه بوصفه طرفاً، أما الغرامة فتتابع تحصيلها الخزينة العامة باسم وكيل الجمهورية.
ثانياً: شرط التنفيذ: نهائية الحكم وطلب النيابة العامة (المادة 633)
نص المادة 633: "يقع التنفيذ بطلب من النيابة العامة عندما يصبح الحكم نهائياً. غير أن الأجل المخول للمدعي العام في المادة 469 لا يحول دون تنفيذ العقوبة."[2]
الشرطان الأولان: التنفيذ لا يقع إلا (1) بطلب من النيابة العامة، و(2) عندما يصبح الحكم نهائياً، أي حين تستنفد طرق الطعن العادية أو تنقضي آجالها، فلا تنفيذ لحكم غير نهائي.
الاستثناء - المادة 469: الأجل المخول للمدعي العام للطعن وفق المادة 469 (أجل شهر للطعن بالنقض) لا يحول دون تنفيذ العقوبة؛ فالحكم النهائي ينفذ فوراً حتى ولو كان المدعي العام ما يزال داخل هذا الأجل، لئلا يتعطل التنفيذ بانتظار الأطراف الأخرى.
لأن النيابة العامة هي مكلفة التنفيذ نفسها، وهي الجهة التي تملك طلب التنفيذ؛ فلا يعقل أن ينتظر التنفيذ انقضاء الأجل الذي تملكه الجهة الآمرة بالتنفيذ - وهذا ترجيح لمصلحة العقوبة الجنائية وسرعة تنفيذها، في حين تبقى آجال الطعن سارية لحماية الأطراف الأخرى.
القاعدة عامة: التنفيذ لا يقع قبل نهائية الحكم. والاستثناء الوارد في المادة 633 يخص فقط أجل طعن المدعي العام في المادة 469، ولا يمس آجال الطعن المخولة للمحكوم عليه أو للطرف المدني؛ فمن استفاد من ذلك الأجل لم يعد التنفيذ معطلاً بسببه.
ثالثاً: اللجوء إلى القوة العمومية لضمان التنفيذ (المادة 634)
نص المادة 634: "لكل من وكيل الجمهورية والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف الحق في اللجوء إلى القوة العمومية وضباط ووكلاء الشرطة القضائية من أجل ضمان هذا التنفيذ."[3]
أصحاب الحق: حق اللجوء إلى الإعانة مخول للجهتين الرئيستين للنيابة العامة: وكيل الجمهورية على مستوى محكمة الولاية، والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف على مستوى الاستئناف.
الوسائل: اللجوء إلى (1) القوة العمومية عند الحاجة إلى الإرغام المادي، و(2) ضباط ووكلاء الشرطة القضائية للقيام بالمعاينات والأعمال التحضيرية للتنفيذ ومواكبته.
لأن التنفيذ قد يصطدم بمقاومة المحكوم عليه أو بتهرب من أعدائه؛ وبدون هذه الإعانة تبقى الأوامر القضائية عاجزة عن التطبيق، فالتنفيذ الجنائي ينفذ بالإكراه إذا لزم الأمر، وهذا من ضمانات فعالية الأحكام وسلطانها.
صدر حكم بالإيداع في حق (م) المطلوب تنفيذ عقوبة عليه، فامتنع عن الحضور وتحصّن في منزله؛ يمكن لوكيل الجمهورية أن يطلب من القوة العمومية إحضاره جبراً، وأن يستعين بضابط الشرطة القضائية للقيام بالإجراءات اللازمة لذلك.
رابعاً: الأحداث العارضة المتعلقة بالتنفيذ (المادة 635)
نص المادة 635: "يرجع في كل الأحداث العارضة التي تكون محل نزاع وتتعلق بالتنفيذ إلى المحكمة التي أصدرت الحكم. ويمكن لهذه المحكمة أيضاً أن تصلح الأخطاء المادية المحضة التي تشتمل عليها أحكامها."[4]
الأحداث العارضة محل النزاع: كل نزاع يثار أثناء التنفيذ - كحساب مدة العقوبة وخصم مدة الحبس الاحتياطي، أو تحديد مفهوم عبارات الحكم، أو منازعة في كيفية التنفيذ - يرجع فيه إلى المحكمة التي أصدرت الحكم، فهي صاحبة الاختصاص الأصلي بتفسير حكمها وحسم ما يعترض تنفيذه، لأنها الأدرى بقصدها وبنطاق ما قضت به.
تصحيح الأخطاء المادية: يجوز لنفس المحكمة أن تصلح الأخطاء المادية المحضة التي تشتمل عليها أحكامها - كأخطاء الاسم أو الأرقام أو الكتابة أو الحساب - دون أن يمس ذلك جوهر الحكم ولا حقوق الأطراف.
التصحيح الجائز محصور في الأخطاء المادية المحضة؛ ولا يجوز للمحكمة أن تعيد النظر في وجهة نظرها أو أن تعدل في المنطوق أو في الأسباب الجوهرية، فذلك من خصائص طرق الطعن لا من صور التصحيح المادي.
ذكر حكم الإدانة في نطقه أن العقوبة المحكوم بها "الحبس سنة واحدة" بينما ثبت من المداولة أنها "ستة أشهر"؛ يقع هذا الاختلاف ضمن الخطأ المادي المحض الذي يمكن للمحكمة مصدرة الحكم تصحيحه، بخلاف ما لو كان النزاع يتعلق بتقدير جسامة الأفعال موضوع الإدانة.
خامساً: إجراءات البت في الأحداث العارضة (المادة 636)
نص المادة 636: "تبت المحكمة وهي في غرفة المشورة، بناء على طلب من النيابة العامة أو من الطرف المعني، بعد الاستماع إلى النيابة العامة ومحامي الطرف، إذا طلب ذلك، وإذا اقتضى الأمر أن يحضر الطرف نفسه، مع الاحتفاظ بأحكام المادة 640. يتوقف تنفيذ القرار محل النزاع إذا أمرت المحكمة بذلك. يبلغ الحكم أو القرار الصادر في الحدث العارض إلى الأطراف المعنيين بعناية النيابة العامة."[5]
جهة البت وشكليتها: يبت في الحدث العارض المحكمة وهي في غرفة المشورة، أي وفق إجراءات غير علنية مبنية على المرافعات المكتوبة.
من يطلب: البت يتم بناء على طلب من النيابة العامة أو من الطرف المعني؛ فلا تبت المحكمة من تلقاء نفسها إلا بطلب.
الاستماع: تستمع المحكمة إلى النيابة العامة، وإلى محامي الطرف إذا طلب ذلك، وإلى الطرف نفسه إذا اقتضى الأمر حضوره، مع الاحتفاظ بأحكام المادة 640 المتعلقة بسماع المحكوم عليه المعتقل بواسطة قاضي محكمة الولاية المختصة بمحل الاعتقال.
وقف التنفيذ: يتوقف تنفيذ القرار محل النزاع إذا أمرت المحكمة بذلك، فالإيقاف جوازي ومرهون بأمرها، وليس أثراً تلقائياً لرفع النزاع.
التبليغ: يبلغ الحكم أو القرار الصادر في الحدث العارض إلى الأطراف المعنيين بعناية النيابة العامة.
حكم مستفاد: الإحالة على المادة 640 تبين أن المشرع يحرص على ضمان حق المحكوم عليه المعتقل في الاستماع إليه في الحدث العارض، حيث يتولى الاستماع قاضي محكمة الولاية المختص بمحل الاعتقال، وسيأتي تفصيل ذلك في الدرس الموالي.
لأن النزاعات المتعلقة بالتنفيذ مسائل إجرائية فرعية لا تستدعي علانية الجلسات، والبت فيها بالشكل المكتوب يضمن السرعة والتركيز دون تكبد أعباء جلسة علنية كاملة، مع بقاء ضمانات التقاضي المتمثلة في حق الطلب والاستماع والتبليغ.
خلاصة الدرس
- ■تتابع النيابة العامة والأطراف التنفيذ كل فيما يخصه، وتقع المتابعات من أجل تحصيل الغرامات والمصادرات من طرف الخزينة العامة باسم وكيل الجمهورية.
- ■يقع التنفيذ بطلب من النيابة العامة عندما يصبح الحكم نهائياً، ولا يحول الأجل المخول للمدعي العام في المادة 469 دون تنفيذ العقوبة.
- ■لكل من وكيل الجمهورية والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف الحق في اللجوء إلى القوة العمومية وضباط ووكلاء الشرطة القضائية لضمان التنفيذ.
- ■يرجع في الأحداث العارضة محل النزاع إلى المحكمة مصدرة الحكم، التي يمكنها أيضاً تصحيح الأخطاء المادية المحضة في أحكامها.
- ■تبت المحكمة في الحدث العارض في غرفة المشورة بطلب من النيابة أو الطرف المعني، مع الاستماع إليهم والاحتفاظ بأحكام المادة 640، ويوقف التنفيذ بأمر منها ويبلغ القرار للأطراف بعناية النيابة العامة.

