بحث وكيل الجمهورية في المستودعات العمومية والطعن بالتزوير
إجراءات مكافحة التزوير في المرحلة الأولى: انتقال وكيل الجمهورية إلى المستودعات العمومية للبحث والتحقيق، وإيداع المستند المدعى بتزويره لدى كتابة ضبط المحكمة، وحجز الأوراق المضاهية ووثائق المقارنة، والادعاء بالتزوير أثناء الجلسة، ثم الطعن بالتزوير أمام المحكمة العليا - المواد 578 إلى 583 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■انتقال وكيل الجمهورية إلى المستودع العمومي لاتخاذ جميع البحوث والتحقيقات عند العلم بمستند مدعى بتزويره، مع حظر تفويض هذه السلطات لضباط الشرطة القضائية، وجواز نقل الوثائق المشتبه فيها إلى كتابة ضبط المحكمة في حالة الاستعجال (المادة 578).
- ■إيداع المستند المدعى بتزويره لدى كتابة ضبط المحكمة في التحقيق المتعلق بتزوير الخط، والتوقيع عليه من قاضي التحقيق وكاتب الضبط، مع محضر يصف حالة المستند، وجواز أخذ صورة فوتوغرافية أو نسخة منه قبل الإيداع (المادة 579).
- ■حجز الأوراق المضاهية بإلزام مالكها بتسليمها، والتوقيع عليها من القاضي وكاتب الضبط مع محضر بأوصافها طبقاً للمادة 579؛ والتزام كل مأمور عمومي بتسليم المستندات المدعى بتزويرها ووثائق المقارنة، مع ترك نسخة موقعة بمطابقتها للأصل إذا كانت محررات رسمية (المادتان 580 و581).
- ■الادعاء بالتزوير أثناء الجلسة: سلطة المحكمة في تقرير إيقاف الدعوى أو عدم إيقافها ريثما يفصل في التزوير، والفصل بصفة فرعية في صفة الورقة المدعي بتزويرها إذا انقضت الدعوى العمومية أو تعذرت مباشرتها (المادة 582).
- ■الطعن بالتزوير أمام المحكمة العليا: تقديم الطلب إلى رئيسها، وأمره بالرفض أو القبول في أجل شهر، وإبلاغ المدعى عليه خلال 15 يوماً للتصريح بنية الاستعمال، وجوابه في 15 يوماً، وإحالة الأطراف على المحكمة المختصة في الطعن بالتزوير العارض عند نية الاستعمال (المادة 583).
أولاً: بحث وكيل الجمهورية في المستودعات العمومية (المادة 578)
نص المادة 578: "إذا وصل إلى علم وكيل الجمهورية أن مستنداً مدعى بتزويره قد ظهر وجوده بمستودع عمومي أو حرر فيه، جاز له الانتقال إلى ذلك المستودع لاتخاذ جميع البحوث والتحقيقات اللازمة."[1]
"لا يجوز لوكيل الجمهورية أن يفوض هذه السلطات لأحد ضباط الشرطة القضائية."[2]
"ويجوز له في حالة الاستعجال أن يأمر بنقل الوثائق المشتبه فيها إلى كتابة ضبط المحكمة."[3]
الانتقال إلى المستودع العمومي: الشرط: العلم بوجود مستند مدعى بتزويره في مستودع عمومي، أو تحريره فيه - والأثر: جاز لوكيل الجمهورية الانتقال إلى ذلك المستودع لاتخاذ جميع البحوث والتحقيقات اللازمة.
حظر التفويض: لا يجوز له تفويض هذه السلطات لأحد ضباط الشرطة القضائية - فالسلطة شخصية لوكيل الجمهورية وحده.
حالة الاستعجال: وله في هذه الحالة أن يأمر بنقل الوثائق المشتبه فيها إلى كتابة ضبط المحكمة - حفظاً للأوراق المطعون فيها.
المستند المدعى بتزويره دليل يُخشى عليه من العبث أو الإخفاء: فلو تُرك البحث فيه لضابط شرطة قضائية لضعفت الضمانات - الوكيل هو صاحب الدعوى العمومية وأولى من يباشر تحقيقات في أصل الجريمة. فجعل المشرع الانتقال حقاً لوكيل الجمهورية وحده - شخصياً وبلا واسطة - ليتولى البحوث والتحقيقات اللازمة حيث يوجد المستند: السرعة والحضور المباشر أمانة الدليل. وأما الاستعجال، فمنعاً من إخفاء الوثيقة أو إتلافها قبل اكتمال التحقيق، أجاز نقلها إلى كتابة ضبط المحكمة - المكان الحصين الذي تُحفظ فيه الأوراق القضائية.
ثانياً: إيداع المستند المدعى بتزويره لدى كتابة الضبط (المادة 579)
نص المادة 579: "إذا كان التحقيق يتعلق بتزوير خط، يأمر قاضي التحقيق بإيداع المستند المدعى تزويره لدى كتابة ضبط المحكمة بمجرد وروده عليه أو وقوعه تحت يد العدالة، ويجعل عليه توقيعه وكذلك توقيع كاتب الضبط الذي عليه أن يحرر محضراً بالإيداع يصف فيه حالة المستند."[4]
"غير أنه يجوز لقاضي التحقيق، قبل الإيداع لدى كتابة ضبط المحكمة، أن يأمر بأخذ صورة فوتوغرافية للمستند أو نسخة منه بأية وسيلة أخرى."[5]
الحالة: التحقيق يتعلق بتزوير خط - أي تزوير محرر بخط اليد.
الإيداع الفوري: يأمر قاضي التحقيق بإيداع المستند المدعى تزويره لدى كتابة ضبط المحكمة بمجرد وروده عليه أو وقوعه تحت يد العدالة - فلا يبقى في يد من قد يعبث به.
الضمانات: توقيع القاضي وتوقيع كاتب الضبط على المستند، ومحضر بالإيداع يصف فيه حالة المستند - تحديد لحالته قبل الفحص.
الاستثناء: قبل الإيداع، يجوز للقاضي أمراً بأخذ صورة فوتوغرافية للمستند أو نسخة منه بأية وسيلة أخرى.
المستند المطعون فيه هو محل النزاع كله: فإن بقى خارج يد العدالة أمكن إبداله أو إتلافه أو تغيير حالته - فيضيع الدليل. ففرض المشرع إيداعه لدى كتابة الضبط بمجرد وروده - مكان الحفظ الرسمي؛ ثم توقيع القاضي وكاتب الضبط عليه - فلا يُنازع في أنه هو نفسه المستند؛ ثم محضر يصف حالته - ورقُه وخطوطه وآثاره - فيكون مقياساً لمطابقة الحالة عند الخبرة. وأما الصورة الفوتوغرافية قبل الإيداع، فحتى لا يفقد الباحثون ما في المستند من معالم بعد إبعاده - الحفظ أولاً، والتوثيق دائماً.
ثالثاً: الأوراق المضاهية ووثائق المقارنة (المادتان 580 و581)
نص المادة 580: "يجوز لقاضي التحقيق أن يلزم مالك الأوراق المضاهية بتسليمها له ويقوم بحجزها، ويوقع على هذه الأوراق هو وكاتب الضبط. ويحرر كاتب الضبط محضراً بأوصافها طبقاً للمادة 579."[6]
نص المادة 581: "يتعين على كل مأمور عمومي لديه مستندات مدعى بتزويرها أو استعملت لإقامة التزوير، أن يقوم، بناء على أمر من قاضي التحقيق، بتسليمها وأن يقدم وثائق المقارنة التي في حوزته عند الاقتضاء. وإذا كانت الوثائق المسلمة أو المحجوزة لها صفات المحررات الرسمية فله أن يطلب بأن تترك له نسخة منها يوقع كاتب الضبط على مطابقتها للأصل، أو صورة فوتوغرافية أو نسخة مأخوذة بأية وسيلة أخرى. وتوضع هذه النسخة أو الصورة الفوتوغرافية في صف النسخ الأصلية بالمصلحة ريثما يعاد المستند الأصلي."[7]
حجز الأوراق المضاهية (م 580): يجوز لقاضي التحقيق إلزام مالك الأوراق المضاهية بتسليمها وحجزها - الأوراق التي تُضاهى بها الكتابة المطعون فيها - ويوقع عليها هو وكاتب الضبط، ويحرر كاتب الضبط محضراً بأوصافها طبقاً للمادة 579 - نفس ضمانات الإيداع.
التزام المأمور العمومي (م 581): على كل مأمور عمومي لديه مستندات مدعى بتزويرها أو استعملت لإقامة التزوير، أن يسلمها بناء على أمر من قاضي التحقيق، وأن يقدم وثائق المقارنة التي في حوزته عند الاقتضاء.
حماية المصلحة الإدارية: إذا كانت الوثائق المسلمة أو المحجوزة لها صفات المحررات الرسمية، فله أن يطلب ترك نسخة يوقع كاتب الضبط على مطابقتها للأصل، أو صورة فوتوغرافية أو نسخة بأية وسيلة أخرى - وتوضع النسخة في صف النسخ الأصلية بالمصلحة ريثما يعاد المستند الأصلي.
إثبات التزوير لا يقوم على مجرد النظر: فالخبير يحتاج أوراقاً مضاهية - كتابات محققة النسبة إلى صاحبها - يقارن بها الخط المطعون فيه، ووثائق المقارنة لدى المأمورين العموميين - سجلات وأصول - تُعرف منها الكتابة الأصلية. فلما كانت هذه الأوراق قد لا تكون تحت يد العدالة، سلّح المشرع قاضي التحقيق بسلطة الحجز الجبري على مالكها - بالضمانات نفسها: التوقيع والمحضر. وأما المأمور العمومي، فخدمة الإدارة لا تنقطع بحجز أوراقها الرسمية: فترك له نسخة مطابقة أو صورة تقوم مقام الأصل ريثما يعاد - فالتحقيق يمضي، والمرفق العام لا يتعطل.
رابعاً: الادعاء بالتزوير أثناء الجلسة (المادة 582)
نص المادة 582: "إذا حصل أثناء جلسة المحكمة أن ادعي تزوير ورقة من أوراق القضية أو أحد المستندات المقدمة، فللهذه المحكمة أن تقرر، بعد أخذ رأي النيابة العامة وأطراف القضية، ما إذا كان ثمة محل لإيقاف الدعوى أو عدم إيقافها ريثما يفصل في التزوير من المحكمة المختصة."[8]
"وإذا انقضت الدعوى العمومية أو كانت لا يمكن مباشرتها بتهمة التزوير، وإذا لم يتبين أن من قدم الورقة كان قد استعملها بقصد التزوير، حكمت المحكمة الناظرة أمامها القضية الأصلية بصفة فرعية في صفة الورقة المدعي بتزويرها."[9]
إيقاف الدعوى أو عدم إيقافها: إذا ادعي أثناء الجلسة تزوير ورقة من أوراق القضية أو أحد المستندات المقدمة، فللمحكمة أن تقرر - بعد أخذ رأي النيابة العامة وأطراف القضية - ما إذا كان ثمة محل لإيقاف الدعوى أو عدم إيقافها ريثما يفصل في التزوير من المحكمة المختصة.
الفصل الفرعي في صفة الورقة: وإذا انقضت الدعوى العمومية أو لم يمكن مباشرتها بتهمة التزوير، وإذا لم يتبين أن من قدم الورقة استعملها بقصد التزوير، حكمت المحكمة الناظرة في القضية الأصلية بصفة فرعية في صفة الورقة المدعي بتزويرها - أي تفصل هي نفسها في صحة الورقة.
الادعاء بالتزوير في الجلسة قد يكون سلاح عرقلة: يُرمى به خصمٌ ليوقف الدعوى طولاً. فلم يجعله المشرع ميقافاً تلقائياً، بل جعلته سلطة تقديرية للمحكمة - بعد رأي النيابة والأطراف - توازن بين جدية الادعاء وحق التقاضي في أجل معقول. وأما إذا انقضت الدعوى العمومية أو تعذرت مباشرتها - فلا يبقى موضوع لإحالة التزوير - فتفصل المحكمة بصفة فرعية في صفة الورقة، حتى لا تبقى الورقة معلقة بين صحة وزور بلا حسم: الطعن في الورقة لا يوقف العدالة، والورقة لا تترك بلا حكم.
خامساً: الطعن بالتزوير أمام المحكمة العليا (المادة 583)
نص المادة 583: "يقدم طلب الطعن بالتزوير في مستند مقدم للمحكمة العليا إلى رئيس هذه المحكمة. ويصدر الرئيس، بعد أخذ رأي المدعي العام لدى المحكمة العليا، أمراً بالرفض أو القبول في أجل شهر يبدأ من تاريخ إيداع الطلب لدى كتابة ضبط المحكمة العليا."[10]
"يبلغ قرار قبول الطعن بالتزوير للمدعى عليه في ظرف خمسة عشر (15) يوماً مع إنذاره أن يصرح بما إذا كان ينوي استعماله. ويجب عليه أن يقدم جوابه في ظرف خمسة عشر (15) يوماً إلى كتابة ضبط المحكمة حيث يمكن للمدعي الاطلاع عليه. وفي الحالة التي ينوي فيها المدعى عليه استعمال المحرر المزور، يجب على الرئيس أن يحيل الأطراف على المحكمة التي يراها مختصة في الطعن بالتزوير العارض."[11]
تقديم الطلب: يقدم طلب الطعن بالتزوير في مستند مقدم للمحكمة العليا إلى رئيس هذه المحكمة.
أمر الرئيس: يصدر الرئيس، بعد أخذ رأي المدعي العام لدى المحكمة العليا، أمراً بالرفض أو القبول في أجل شهر يبدأ من تاريخ إيداع الطلب لدى كتابة ضبط المحكمة العليا.
الإبلاغ والجواب: يبلغ قرار القبول للمدعى عليه في ظرف 15 يوماً مع إنذاره أن يصرح بما إذا كان ينوي استعمال المستند؛ ويجب عليه أن يقدم جوابه في ظرف 15 يوماً إلى كتابة ضبط المحكمة حيث يمكن للمدعي الاطلاع عليه.
الإحالة: إذا نوى المدعى عليه استعمال المحرر المزور، يجب على الرئيس أن يحيل الأطراف على المحكمة التي يراها مختصة في الطعن بالتزوير العارض.
المستند المطعون بالتزوير أمام أعلى محكمة في البلاد - فالنزاع فيه يمس الحكم ذاته: فإن كان مزوراً، حكم مبني على زور. فأوكل المشرع البت الأول فيه إلى رئيس المحكمة العليا - وهيبة المنصب كفيلة بأن يُردّ الادعاء الكيدي - بعد رأي المدعي العام، في أجل شهر - فلا يعلق التقاضي أمام المحكمة العليا بلا حسم. ثم أجّل التصريح بالاستعمال والجواب 15 يوماً لكل منهما - مهلة محددة وموحدة لصاحب المستند: إما أن يعدل عن ورقة نازعها خصمه، وإما أن يتمسك بها فيُحال النزاع إلى المحكمة المختصة بالتزوير العارض - فالطعن بالتزوير إجراء بآجال حاسمة، لا سلاح مماطلة.
خلاصة الدرس
- ■إذا علم وكيل الجمهورية بمستند مدعى بتزويره في مستودع عمومي جاز له الانتقال إليه لاتخاذ البحوث والتحقيقات اللازمة، دون تفويض لضباط الشرطة القضائية، وله في الاستعجال الأمر بنقل الوثائق المشتبه فيها إلى كتابة ضبط المحكمة (م 578).
- ■في التحقيق المتعلق بتزوير الخط يأمر قاضي التحقيق بإيداع المستند المدعى تزويره لدى كتابة ضبط المحكمة بمجرد وروده، ويوقع عليه هو وكاتب الضبط، ويحرر كاتب الضبط محضراً يصف حالة المستند؛ ويجوز قبل الإيداع أخذ صورة فوتوغرافية أو نسخة منه (م 579).
- ■يجوز لقاضي التحقيق إلزام مالك الأوراق المضاهية بتسليمها وحجزها مع التوقيع عليها ومحضر بأوصافها طبقاً للمادة 579؛ وعلى كل مأمور عمومي تسليم المستندات المدعى بتزويرها ووثائق المقارنة بناء على أمر القاضي، مع ترك نسخة موقعة بمطابقة الأصل أو صورة فوتوغرافية إذا كانت المحررات رسمية (م 580 و581).
- ■إذا ادعي تزوير ورقة أثناء الجلسة قررت المحكمة بعد أخذ رأي النيابة والأطراف إيقاف الدعوى أو عدم إيقافها ريثما يفصل في التزوير من المحكمة المختصة؛ وإذا انقضت الدعوى العمومية أو تعذرت مباشرتها بلا نية استعمال بقصد التزوير، فصلت بصفة فرعية في صفة الورقة (م 582).
- ■يقدم طلب الطعن بالتزوير أمام المحكمة العليا إلى رئيسها، ويصدر أمراً بالرفض أو القبول بعد رأي المدعي العام في أجل شهر من إيداع الطلب؛ ويبلغ المدعى عليه خلال 15 يوماً ليصرح بنية الاستعمال ويقدم جوابه خلال 15 يوماً، ويحيل الرئيس الأطراف على المحكمة المختصة بالتزوير العارض عند نية الاستعمال (م 583).

