المعارضة في الأحكام الغيابية وتنفيذ أحكام الاستئناف
كيف ينفذ حكم الاستئناف بعد التأكيد أو الإلغاء الكلي أو الجزئي، ومتى تتصدى محكمة الاستئناف للعناصر غير المبت فيها، ثم المعارضة: تعريفها ومن له حقها وأجلها، والتمييز بين الحكم الغيابي وشبه الحضوري، وإجراءاتها وأثرها الوقفي ومنع تكرارها - المواد 186 إلى 193.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■من ينفذ الحكم بعد تأكيده أو إلغائه كلياً أو جزئياً (المادة 186).
- ■تصدي محكمة الاستئناف للعناصر التي لم يبت فيها لحسم النزاع نهائياً (المادة 187).
- ■تطبيق قواعد الكتاب الثاني على إجراءات الاستئناف (المادة 188).
- ■المعارضة: تعريفها، ومن له حقها، ومداها أمام نفس المحكمة (المادة 189).
- ■أجل المعارضة (خمسة عشر يوماً) والتمييز بين الحكم الغيابي وشبه الحضوري (المادة 190).
- ■إجراءات المعارضة، وأثرها الوقفي، ومنع تكرارها (المواد 191 إلى 193).
أولاً: تنفيذ حكم الاستئناف بعد التأكيد أو الإلغاء (المادة 186)
نص المادة 186: "إذا وقع تأكيد الحكم المطعون فيه، فإن تنفيذه يتم على يد المحكمة التي أصدرته. فإذا ألغي كلياً، يكون التنفيذ - بالنسبة لنفس الأطراف - على يد محكمة الاستئناف. أما إذا وقع إلغاؤه جزئياً، فيكون التنفيذ بالنسبة لنفس الأطراف إما لمحكمة الاستئناف وإما للمحكمة التي تعينها، باستثناء الحالات التي يسند فيها الاختصاص بأحكام قانونية خاصة إلى محكمة أخرى."[1]
بعد أن تبت محكمة الاستئناف في الطعن، لا يبقى السؤال القانوني فقط "من انتصر؟"، بل سؤال عملي مهم: من الجهة المكلفة بتنفيذ الحكم النهائي؟ والمشرع وزّع الاختصاص بالتنفيذ على ثلاث حالات:
- ■التأكيد (تأييد الحكم): يبقى التنفيذ على يد المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه - أي محكمة الدرجة الأولى - لأنها تعرف الملف جيداً.
- ■الإلغاء الكلي: ينتقل التنفيذ - بالنسبة لنفس الأطراف - إلى محكمة الاستئناف نفسها التي حلّت محل محكمة الدرجة الأولى.
- ■الإلغاء الجزئي: التنفيذ إما لمحكمة الاستئناف وإما للمحكمة التي تعينها هي، لأن الحكم أصبح مزيجاً من قضاء المحكمتين.
الاستثناء من هذه القاعدة: إذا كانت هناك أحكام قانونية خاصة تسند الاختصاص بالتنفيذ إلى محكمة معينة، فتلك الأحكام الخاصة هي التي تطبق، ولا تدخل المادة 186 لتغيّر من ذلك.
ثانياً: تصدي محكمة الاستئناف للعناصر غير المبت فيها (المادة 187)
نص المادة 187: "إذا تعهدت محكمة الاستئناف بحكم قد أمر بإجراء تحقيقي، أو بحكم قد وضع حداً للنزاع أثناء حكمه في دفع إجرائي، يجوز لها أن تتصدى للعناصر التي لم يبت فيها إذا رأت من حسن سير العدالة إعطاء القضية حلاً نهائياً، بعد أن تأمر بإجراء تحقيقي عند الاقتضاء. ولا يمنع التصدي من تطبيق أحكام المواد 181 إلى 183 المتعلقة بالطلبات الجديدة والأسباب الجديدة والتدخل."[2]
"التصدي" معناه أن تأخذ محكمة الاستئناف على عاتقها البت في أجزاء من النزاع لم تبت فيها محكمة الدرجة الأولى. ومتى يحدث ذلك؟ في حالتين:
- ■عندما يكون الحكم المطعون فيه قد أمر بإجراء تحقيقي (خبرة، معاينة، شهادة شهود...) دون أن يحسم أصل النزاع.
- ■عندما يكون الحكم قد وضع حداً للنزاع أثناء فصله في دفع إجرائي (مثل دفع عدم الاختصاص أو البطلان) - فحسم قضية فرعية دون الفصل في القضية الأصلية.
في هاتين الحالتين يجوز لمحكمة الاستئناف أن تكمل العمل بنفسها وتفصل في العناصر المتبقية، بشرط أن ترى في ذلك من حسن سير العدالة إعطاء القضية حلاً نهائياً، أي تجنب إرجاع الملف إلى محكمة الدرجة الأولى ودخوله في رحلة جديدة من المرافعات.
لأن الهدف النهائي للتقاضي هو حل نهائي للنزاع لا دوران في حلقة مفرغة. لو كان على محكمة الاستئناف أن تعيد القضية دائماً إلى محكمة الدرجة الأولى كلما كان التحقيق ناقصاً، لطالت الدعاوى سنوات وأرهقت الأطراف. لذلك سمح المشرع لمحكمة الاستئناف بإنهاء الملف حاسماً، بعد أن تأمر هي نفسها بإجراء تحقيقي عند الاقتضاء لاستكمال ما نقص.
حكمت محكمة الدرجة الأولى بإجراء خبرة فنية في نزاع حول عيوب في بناء ثم فصلت في دفع فرعي، دون أن تحكم في موضوع التعويض. استأنف أحد الأطراف. فترى محكمة الاستئناف أن الملف صار واضحاً بعد توفر الخبرة، فتتصدى وتحكم في أصل النزاع: تقرر التعويض النهائي بنفسها بدلاً من إعادة القضية لمحكمة الدرجة الأولى. لكن هذا التصدي لا يفتح الباب لتقديم طلبات جديدة أو أسباب جديدة أو تدخل أطراف جدد - تلك تبقى خاضعة للمواد 181 إلى 183.
ثالثاً: القواعد المطبقة أمام محكمة الاستئناف (المادة 188)
نص المادة 188: "تطبق القواعد المتعلقة بالطلبات القضائية والتحقيق والحكم المطبقة أمام محاكم الدرجة الأولى المقررة بالكتاب الثاني من هذا القانون على الإجراءات أمام محكمة الاستئناف في كل ما لا يتعارض مع أحكام هذا الفصل."[3]
لا تخترع محكمة الاستئناف إجراءات خاصة بها من العدم؛ فهي تستعمل نفس القواعد العامة التي تحكم الطلبات القضائية والتحقيق وأحكام الصدور في محاكم الدرجة الأولى (الواردة في الكتاب الثاني من قانون الإجراءات المدنية)، ما دامت لا تتعارض مع القواعد الخاصة بالاستئناف التي وردت في هذا الفصل (المواد 167 إلى 185 التي درستها في الدرس السابق، والمواد 186 إلى 193).
قاعدة الاقتصاد التشريعي: بدلاً من إعادة كتابة مئات القواعد الإجرائية للدرجة الثانية، أحال المشرع إلى القواعد القائمة، فاكتفى بتنظيم ما هو خاص بالاستئناف فقط - وهذا يضمن أيضاً وحدة الممارسة القضائية بين درجتي التقاضي.
رابعاً: المعارضة: تعريفها ومداها (المادة 189)
نص المادة 189: "تهدف المعارضة إلى الرجوع في حكم صدر غيابياً. ولا تحق إلا للطرف الغائب وحده. وتطرح المعارضة أمام نفس المحكمة العناصر المحكوم فيها غيابياً للمناقشة والبت فيها من جديد من حيث الوقائع والقانون. ولا يستفيد منها الأطراف غير المعارضين إلا إذا كان موضوعها غير قابل للقسمة."[4]
المعارضة هي وسيلة طعن تهدف إلى الرجوع في حكم صدر غيابياً، أي صدر ضد طرف لم يمثل ولم يرد على الدعوى. ولأن الغياب قد يكون بسبب الجهل بالدعوى أو عذر قاهر، منح المشرع للغائب فرصة استئناف النظر في القضية. والخصائص الأساسية للمعارضة:
- ■شخصية: لا تحق إلا للطرف الغائب وحده - فلا يعارض الحاضر عن غيره، ولا يعارض الغائب إذا كان الحكم في الواقع حضورياً.
- ■أمام نفس المحكمة: تُطرح أمام المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي، لا أمام محكمة أعلى.
- ■إعادة نظر كاملة: تُناقش العناصر المحكوم فيها غيابياً وتُبت من جديد من حيث الوقائع والقانون - وكأن المحكمة تعيد النظر في قضيتها.
الذين لم يعارضوا لا يستفيدون من نتيجة معارضة غيرهم إلا إذا كان موضوع الحكم غير قابل للقسمة - ففي القضية غير القابلة للقسمة لا يمكن تنفيذ الحكم على معارض وآخر؛ إما أن يسقط كله أو يبقى كله.
حكمت المحكمة غيابياً على شريكين معاً بإرجاع سيارة مملوكة على الشيوع لمالكها. عارض أحدهما فقط. فإذا ثبت أن السيارة غير قابلة للقسمة، يستفيد الشريك غير المعارض من نتيجة المعارضة لأن الحكم لا يمكن تنفيذه جزئياً - أما لو كان الحكم بدفع مبلغ من المال قابلاً للتقسيم، فلا يستفيد غير المعارض منه.
خامساً: أجل المعارضة والتمييز بين الغيابي وشبه الحضوري (المادة 190)
نص المادة 190: "يجوز الطعن بالمعارضة في الأحكام الصادرة غيابياً في أجل خمسة عشر يوماً تبدأ من تاريخ تبليغ الحكم. إذا لم يمثل المدعى عليه، فإن الحكم يصدر غيابياً إذا كان القرار نهائياً وكان الاستدعاء لم يسلم للشخص نفسه. ويعتبر الحكم شبه حضوري إذا كان القرار قابلاً للاستئناف أو إذا كان الاستدعاء قد سلم لشخص المدعى عليه. وفي حالة تعدد المدعى عليهم الذين استدعوا لنفس السبب، وإذا كان واحد منهم على الأقل لم يمثل، فإن الحكم يعتبر شبه حضوري بالنسبة للجميع إذا كان قابلاً للاستئناف أو إذا كان المتخلفون قد تسلموا الاستدعاء بأنفسهم."[5]
المادة 190 تضع أجل المعارضة ثم تعطينا معيارين للتمييز بين الحكم الغيابي والحكم شبه الحضوري، وهذا التمييز جوهري لأنه يحدد وسيلة الطعن المناسبة (معارضة أم استئناف):
لأنه يحمي الطرف الغائب: فإذا لم يُبلَّغ المدعى عليه شخصياً وكان الحكم نهائياً (لا يقبل الاستئناف)، لا يبقى له سوى المعارضة - وهي التي تمنحه إعادة النظر كاملة. أما إذا سُلّم الاستدعاء لشخصه أو كان الحكم قابلاً للاستئناف، فلديه طريق الاستئناف، فلا حاجة لإعادة فتح القضية أمام نفس المحكمة.
إذا كان هناك عدة مدعى عليهم استدعوا لنفس السبب وتخلف واحد منهم على الأقل عن الحضور، فإن الحكم يكون شبه حضوري بالنسبة للجميع في الحالتين التاليتين:
- ■إذا كان الحكم قابلاً للاستئناف؛ أو
- ■إذا كان المتخلفون قد تسلموا الاستدعاء بأنفسهم.
وهكذا لا يتحول الحكم إلى غيابي بمجرد تخلف أحدهم، حمايةً لوحدة النزاع ووحدة وسائل الطعن بين الخصوم المتضامنين.
سادساً: إجراءات المعارضة (المادة 191)
نص المادة 191: "يقام بالمعارضة حسب القواعد المقررة في تقديم الدعوى، أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه بالمعارضة. ويتم التحقيق والبت فيها وفقاً للقواعد المطبقة على تلك المحكمة."[6]
إجراءات المعارضة بسيطة وموحدة: تُقام بنفس الطريقة التي تُقام بها الدعوى الأصلية (صحيفة/عريضة تقدم حسب قواعد تقديم الدعوى)، وتُوجه إلى نفس المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي، ثم يسير التحقيق والبت وفق القواعد العادية المطبقة على تلك المحكمة - وكأنها دعوى جديدة تُنظر أمام قاضيها الطبيعي.
صدر حكم غيابي عن محكمة المقاطعة بدفع دين. يعارض المدين بإيداع عريضة معارضة في قلم كتابة المحكمة نفسها، فتسير القضية من جديد بالمرافعات والتحقيق، ثم تصدر المحكمة حكماً جديداً في المعارضة - إما بتأييد الحكم الغيابي أو بإلغائه وتعديله.
سابعاً: أثر المعارضة (المادة 192)
نص المادة 192: "توقف المعارضة تنفيذ الحكم، ما عدا إذا وقع الأمر بخلاف ذلك في الحكم الصادر غيابياً."[7]
المعارضة توقف التنفيذ تلقائياً بمجرد قبولها: فلا يمكن للطرف المنتصر أن ينفذ الحكم الغيابي أثناء نظر المعارضة. لكن المشرع ترك للمحكمة استثناءً: يجوز أن تأمر صراحة في الحكم الغيابي نفسه بتنفيذه مؤقتاً رغم المعارضة - عندها لا توقف المعارضة التنفيذ.
لأن الحكم الغيابي صدر دون سماع دفاع الغائب، فتنفيذه قبل إعادة النظر فيه قد يسبب ضرراً يصعب إصلاحه (مثل تنفيذ إخلاء أو بيع مال). أما الاستثناء فهو توازن مع مصلحة الطرف الحاضر الذي قد يتعرض هو الآخر لضرر من التأخير - لذلك ترك الأمر لتقدير المحكمة.
ثامناً: منع تكرار المعارضة (المادة 193)
نص المادة 193: "لا يقبل من الطرف المعارض الذي يحكم عليه غيابياً للمرة الثانية أن يقوم بمعارضة جديدة."[8]
المعارضة فرصة واحدة لا تتكرر: من عارض ثم حكم عليه غيابياً للمرة الثانية - أي أنه بعد أن أعيد فتح القضية لم يحضر الجلسات الجديدة - لا يقبل منه معارضة جديدة. وهكذا يغلق القانون الباب أمام الغائب المتعنت الذي يتلاعب بالإجراءات لتأجيل التنفيذ إلى ما لا نهاية.
لأن المعارضة وُجدت لحماية الغائب حسن النية الذي لم يعلم بالدعوى. أما من عارض ووجهت إليه الدعوى مجدداً وتبلغها ثم تخلف ثانية، فيكون تخلفه عن علم وتكاسل - والسماح له بمعارضة جديدة يجعل الحكم الغيابي غير قابل للتحقق أبداً، ويفرغ الأحكام من قوتها التنفيذية ويُضيع حقوق الدائنين.
يجب أن تكون تعلمت في هذا الدرس
- ■التأكيد: التنفيذ على يد المحكمة التي أصدرت الحكم؛ الإلغاء الكلي: على يد محكمة الاستئناف؛ الإلغاء الجزئي: لمحكمة الاستئناف أو المحكمة التي تعينها، إلا إذا كان القانون الخاص أسند الاختصاص لمحكمة أخرى.
- ■لمحكمة الاستئناف أن تتصدى للعناصر غير المبت فيها لإعطاء القضية حلاً نهائياً، مع بقاء المواد 181-183 (الطلبات الجديدة والأسباب الجديدة والتدخل) واجبة التطبيق.
- ■تسري قواعد الكتاب الثاني (الطلبات والتحقيق والحكم) على إجراءات محكمة الاستئناف في كل ما لا يتعارض مع أحكام فصل الاستئناف.
- ■المعارضة: رجوع في الحكم الغيابي، حق شخصي للطرف الغائب وحده، أمام نفس المحكمة، ولا يستفيد منها غير المعارضين إلا إذا كان موضوعها غير قابل للقسمة.
- ■أجل المعارضة: خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغ الحكم.
- ■الحكم غيابي إذا كان القرار نهائياً والاستدعاء لم يُسلَّم للشخص نفسه؛ وشبه حضوري إذا كان قابلاً للاستئناف أو سُلّم الاستدعاء لشخصه؛ وعند تعدد المدعى عليهم يكون شبه حضوري للجميع في حالتي قابلية الاستئناف أو التسليم الشخصي.
- ■المعارضة تُقام حسب قواعد تقديم الدعوى أمام نفس المحكمة، وتوقف تنفيذ الحكم إلا إذا أمر الحكم الغيابي بخلاف ذلك، ولا تقبل معارضة جديدة ممن حكم عليه غيابياً للمرة الثانية.

