المسؤولية التقصيرية: المبادئ العامة
المسؤولية التقصيرية التزام بجبر الضرر الناشئ عن الخطأ: أركانها الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وأحكامها الخاصة - وفق المواد 91-100.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■مفهوم المسؤولية التقصيرية وتمييزها عن المسؤولية العقدية.
- ■أركان المسؤولية التقصيرية الثلاثة: الخطأ، الضرر، علاقة السببية.
- ■أحكام المسؤولية الخاصة: الدولة ومستخدموها والقضاة.
- ■الحالات الخاصة: حسن النية، النصيحة والتوصية، المنافسة غير المشروعة.
- ■مدخل إلى المسؤولية عن فعل الغير.
أولاً: مفهوم المسؤولية التقصيرية
المسؤولية التقصيرية هي التزام الشخص بجبر الضرر الذي أحدثه للغير بفعله غير المشروع، حتى ولو لم يكن بينه وبين المتضرر أي عقد أو اتفاق سابق. وهي مصدر من مصادر الالتزام، إذ تجعل مرتكب الخطأ مديناً بالتعويض.
تستمد هذه المسؤولية قاعدتها العامة من المادة 91 من قانون الالتزامات والعقود:
من المادة 91: «كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار من غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، التزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر.»[1]
تتضح من هذه القاعدة العامة شروط المسؤولية الثلاثة:
- ■الخطأ: فعل صدر «عن بينة واختيار» أي بإدراك وإرادة، و«من غير أن يسمح به القانون».
- ■الضرر: أن يحدث الفعل ضررا ماديا أو معنويا للغير.
- ■علاقة السببية: أن يكون الفعل «السبب المباشر» في حصول الضرر.
لأن الأضرار قد ترجع إلى أسباب متعددة ومتداخلة، فلا يلتزم الشخص إلا بالضرر الذي كان فعله سببه المباشر، حتى لا يتحمل نتائج حوادث لا صلة له بها. وهذا ضابط يمنع توسيع المسؤولية بلا حدود.
ثانياً: الخطأ
الخطأ هو إخلال بالتزام قانوني عام: أن يصدر من الشخص سلوك لا يسمح به القانون، سواء وقع عن عمد (قصد الإضرار) أو عن غير عمد (إهمال، إهمال جسيم، تهور، عدم احتياط).
ويستفاد من المادة 96 أن مراتب الخطأ تراعي في تقدير المسؤولية، إذ يستثنى من التعويض من تصرف بحسن نية ومن غير خطأ جسيم أو تهور بالغ:
من المادة 96: «من يعطي، بحسن نية ومن غير خطأ جسيم أو تهور بالغ من جانبه...»[2]
- ■الخطأ العمدي: قصد إحداث الضرر - أشد مراتب الخطأ وأوسعها مسؤولية.
- ■الخطأ الجسيم: إهمال فاحش لا يقع من شخص عادي حريص - يولّد المسؤولية حتى مع حسن النية.
- ■الخطأ اليسير: إهمال بسيط - أساس المسؤولية التقصيرية العامة.
سائق عبر إشارة المرور الحمراء بسرعة فاصطدم بدراجة: فعله صدر عن إهمال (خطأ)، ومن غير أن يسمح له القانون بذلك، فإن تحقق منه ضرر وعلاقة سبب مباشرة لزمه التعويض. أما من انزلق على أرضية مبتلة بسبب فيضان شبكة عامة فأصاب أحد المارة، فلا خطأ من جانبه إلا إذا ثبت تهوره.
ثالثاً: الضرر
الضرر هو الأثر السلبي الذي يصيب الشخص في ماله أو جسمه أو شعوره أو كرامته، ويشترط أن يكون محققا ولو كان مستقبلا، وأن يصيب الشخص مباشرة. وتؤكد المادة 92 التزام الشخص بتعويض الضرر المادي والمعنوي معا:
من المادة 92: «كل شخص مسئول عن الضرر المادي أو المعنوي الذي أحدثه...»[3]
أنواع الضرر
- ■الضرر المادي: ما يصيب المال أو الجسم، كخسارة المال، تكاليف العلاج، الفواتير، والعطل عن العمل.
- ■الضرر المعنوي: ما يصيب الشعور والكرامة، كالألم النفسي، الأذى، والتشهير.
- ■الضرر الحالي والمستقبلي: يشمل التعويض ما لحق بالمتضرر فعلا وما سيضطر إلى إنفاقه مستقبلا لإصلاح نتائج الفعل.
المسؤولية لا تتحقق بوقوع الضرر وحدها، بل يشترط أن يتوافر الخطأ وأن يكون الضرر ناتجا عن ذلك الخطأ. فمن أصيب بمرض سابق لحادث لم يسببه الحادث لا يسأل عنه المسؤول.
رابعاً: علاقة السببية
علاقة السببية هي الرابط بين الخطأ والضرر، فلا مسؤولية إلا إذا كان الفعل الخاطئ هو السبب المباشر في حصول الضرر كما قررت المادة 91. فإذا انقطعت هذه العلاقة بفعل الغير أو حادث مستقل، زالت المسؤولية أو قصرت.
- ■نظرية السبب المباشر: يلتزم الفاعل بالنتائج التي كان فعله سببا مباشرا لها دون وسائط.
- ■نظرية المعادلة: تعد جميع الظروف اللازمة لتحقق الضرر أسبابا مكافئة، فيتوزع التعويض بينها.
أصاب سائق مشاة خفيفا، فحملته سيارة إسعاف فاصطدمت بشجرة بسبب عطل مفاجئ فتفاقم الضرر: يسأل السائق الأول عما سببه فعله مباشرة، ولا يتحمل وحده نتيجة الحادث اللاحق الذي انقطعت به علاقة السببية.
عبء الإثبات على المدعي: هو الذي يثبت وقوع الخطأ وحصول الضرر وقيام علاقة السببية بينهما. فإذا عجز عن إثبات أي ركن سقطت الدعوى.
خامساً: المسؤولية الخاصة (الدولة ومستخدموها والقضاة)
خص القانون الأشخاص العموميين بأحكام خاصة، فأقر مسؤولية الدولة والمؤسسات العامة عن الأضرار الناتجة عن تسيير إدارتها وعن خطأ مستخدميها في نطاق عملهم:
من المادة 93: «الدولة وكل المؤسسات العامة التي يمنحها القانون شخصية اعتبارية مسئولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن خطأ مستخدميها في نطاق عملهم.»[4]
وتسأل الدولة والهيئات العمومية إضافة إلى ذلك عن خطأ مستخدميها، كما يسأل هؤلاء أنفسهم عن أضرارهم:
من المادة 94: «مستخدمو الدولة والهيئات العمومية التي يمنحها القانون شخصية...»[5]
ويمتد ذلك إلى القضاة، الذين يسألون مدنيا عن إخلالهم بواجباتهم المهنية في الحالات التي تجوز فيها مخاصمتهم:
من المادة 95: «القاضي الذي يخل بواجباته المهنية يسأل مدنيا عن هذا الإخلال تجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته.»[6]
ضابط مهم: مسؤولية الدولة عن خطأ مستخدميها مقيدة بنطاق عملهم (الخطأ المصلحي)، أما ما يقع خارج نطاق العمل (الخطأ الشخصي) فيسأل عنه المستخدم نفسه، وهذا يفسر ما ذهبت إليه المادتان 93 و94 معا.
هذه المسؤولية الخاصة تمهد للدرس القادم: «المسؤولية عن فعل الغير والأشياء» التي تبسط قواعد تحمل الشخص تبعات أفعال من هم تحت رقابته والأشياء التي في حراسته (المواد 99-103 وما يليها).
سادساً: حالات خاصة (حسن النية، النصيحة، المنافسة)
قرر القانون أحكاما خاصة تحد من المسؤولية في مواقف معينة، وتوسعها في أخرى:
1) حسن النية وعدم الخطأ الجسيم
من تصرف بحسن نية، من غير خطأ جسيم أو تهور بالغ، لا يتحمل المسؤولية الناشئة عن عمله - وهذا مقتضى المادة 96 المذكورة أعلاه.
2) النصيحة والتوصية
من المادة 97: «مجرد النصيحة أو التوصية لا تترتب عليها مسئولية صاحبها إلا في الحالات الآتية...»[7]
الأصل عدم مسؤولية صاحب النصيحة أو التوصية العابرة، والاستثناء حالات محددة يحددها القانون كأن تكون النصيحة صادرة في إطار مهنة يقتضيها النصح، أو مقرونة بخطأ جسيم أو تهور بالغ، أو بغير حسن نية.
3) المنافسة غير المشروعة
من المادة 98: «يمكن أن يترتب التعويض على الوقائع التي تكون منافسة غير...»[8]
المنافسة حق مشروع ما دامت مشروعة؛ أما الوقائع المنافسة غير المشروعة (كالتقليد، والتشويه، واستعمال وسائل محظورة) فهي تترتب عليها المسؤولية والتعويض.
نصح موظف صديقه بعدم شراء سيارة معينة ظنا منه أنها معيبة، ثم تبين سلامتها: لا يسأل لأنه لم يرتكب خطأ جسيدا ولا تهورا. أما تاجر نشر إشهارا مضللا يشوه سمعة منافسه فتنطبق عليه وقائع المنافسة غير المشروعة ويلزم بالتعويض.
سابعاً: مدخل إلى المسؤولية عن فعل الغير
لا يقتصر الأمر على مسؤولية الشخص عن فعله الشخصي، فقد حمله القانون تبعة أضرار من هم في عهدته، وفي مقدمتهم الآباء والأوصياء والمقدمون عن القاصرين، ثم المعلمون عن من هم تحت رقابتهم:
من المادة 99: «لا يكون الشخص مسئولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، ولكن يكون مسئولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته. الأب والمقدم والوصي مسئولون عن الضرر الذي يحدثه القاصرون المعسر...»[9]
من المادة 100: «يسأل المعلمون وموظفو الشبيبة والرياضة عن الضرر الحاصل من الأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم.»[10]
تفصيل شروط هذه المسؤولية وقيودها، ومسؤولية حارس الأشياء والحيوان ومالك البناء، موضوع الدرس 150: «المسؤولية عن فعل الغير والأشياء».
خلاصة الدرس
- ■المسؤولية التقصيرية مصدر التزام بقاعدة عامة: كل فعل غير مشروع صدر عن بينة واختيار أحدث ضررا للغير، لزم مرتكبه بالتعويض إذا كان فعله السبب المباشر للضرر (المادة 91).
- ■أركانها ثلاثة: خطأ، وضرر (مادي أو معنوي)، وعلاقة سببية مباشرة بينهما (المادة 92).
- ■عبء إثبات الأركان الثلاثة على المدعي المتضرر.
- ■حسن النية وعدم الخطأ الجسيم أو التهور البالغ مانع من المسؤولية (المادة 96)، ومجرد النصيحة لا يترتب عليها مسؤولية إلا في حالات خاصة (المادة 97).
- ■الدولة والمؤسسات العامة مسئولة عن تسيير إدارتها وخطأ مستخدميها في نطاق عملهم، والقاضي يسأل مدنيا عند إخلاله بواجباته (المواد 93-95).
- ■المنافسة غير المشروعة وقائع تترتب عليها المسؤولية والتعويض (المادة 98)، والمسؤولية عن فعل الغير مبدأ مقرر (المواد 99-100).

