الغرامة الجزافية في المخالفات: التقديم والآثار والاستثناءات
إجراء الغرامة الجزافية الذي يسمح للمخالف بتسوية المخالفة فور معاينتها: تقديمها للعون محرر المحضر، أثرها في الاعتراف بالواقعة وانقضاء الدعوى العمومية، مضاعفتها عند العود، الأعوان المخولون بقبضها، الحالات المستثناة من تطبيقها، ومتابعة المخالف أمام محكمة المخالفات - المواد 487 إلى 493 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■تقديم الغرامة الجزافية للعون محرر المحضر: إجراء اختياري يحدد قدره وكيفية تحصيله بمرسوم، مع تحرير محضر موجز وتسليم وصل (المادة 487).
- ■أثر الدفع: يقتضي الاعتراف بالمخالفة، ويحل محل الحكم الأول لتحديد حالة العود (المادة 488).
- ■مضاعفة الغرامة الجزافية عند ثبوت حالة العود من حكم نهائي أو محضر سابق بدفع غرامة اتفاقية (المادة 489).
- ■الأعوان المخولون بالتسلم: ضباط ووكلاء الشرطة القضائية من الشرطة والدرك، والأعوان المحلفون لبعض الإدارات بقرار من وزير العدل (المادة 490).
- ■انقضاء الدعوى العمومية بالدفع، وعند العود دون تسلم الضعف: عرض القضية على محكمة المخالفات مع طلب عقوبة إضافية في الحد الأقصى (المادة 491).
- ■الحالات المستثناة: التعرض لتعويض الأضرار، المصادرة، نص خاص يمنع القبض، ووقوع تحقيق قضائي (المادة 492).
- ■متابعة المخالف أمام محكمة المخالفات عند الامتناع عن الدفع أو في الحالات المستثناة، مع جواز إحالة المحضر من وكيل الجمهورية إلى عون مخول (المادة 493).
أولاً: تقديم الغرامة الجزافية (المادة 487)
نص المادة 487: "في جميع المواد وعندما تعاين مخالفة من طرف عون له صلاحية تحرير المحاضر يمكن للمخالف أن يقدم لهذا العون غرامة جزافية يحدد قدرها وكيفية تحصيلها بمرسوم. يثبت العون محرر المحضر المخالفة في محضر موجز ويتسلم الغرامة الجزافية ويعطي المخالف وصلاً عنها."[1]
الفرصة الاختيارية: متى عاين عون له صلاحية تحرير المحاضر مخالفة، يمكن للمخالف أن يقدم لهذا العون غرامة جزافية - تسوية فورية اختيارية، ليس فيها إكراه على المخالف.
التنظيم: يحدد قدر الغرامة وكيفية تحصيلها بمرسوم - فلا تقدير جزافي من العون ولا من المخالف، بل مبالغ مقررة سلفاً.
الإجراء: يثبت العون المخالفة في محضر موجز، ويتسلم الغرامة ويعطي المخالف وصلاً عنها - توثيق كامل للعملية من الجانبين.
المخالفة أخف الجرائم وأكثرها عدداً (سرقات يسيرة، شغب، مخالفات طرق...) - لو سارت كلها إلى المحكمة لانشغلت المحاكم بجلسات لا نهاية لها. فالغرامة الجزافية تفصل الواقعة عند معاينتها: المخالف يسوي وضعيته فوراً بلا مرافعة ولا أتعاب ولا مصاريف، والخزينة العامة تقبض فوراً، والعدالة الجنائية توفر وقتها للجرائم الأخطر.
ثانياً: أثر الدفع - الاعتراف بالمخالفة (المادة 488)
نص المادة 488: "يقتضي دفع الغرامة الجزافية الاعتراف بالمخالفة. ويحل محل الحكم الأول لتحديد حالة العود."[2]
الاعتراف: دفع الغرامة الجزافية يقتضي الاعتراف بالمخالفة - فمن دفع اعترف بوقوعها منه، ولا يعود له إنكارها بعد الدفع.
العود: والدفع يحل محل الحكم الأول لتحديد حالة العود - فيُعامل المخالف الذي سدد غرامة جزافية كما لو حُكم عليه من محكمة: فإذا عاد فكان للدفع السابق أثر في إثبات حالة العود.
الغرامة الجزافية جزاء يرضى به المخالف - لا مجرد وديعة. فلو جاز بعد الدفع إنكار الواقعة، لتحول الإجراء إلى حجز لمال بلا سند: فجعل المشرع الدفع اعترافاً صريحاً بالواقعة، وجعل له أثر الحكم في العود، ليتساوى المخالف المصرح والمدان: لا ميزة في التسوية الفورية سوى السرعة واليسر.
ثالثاً: مضاعفة الغرامة عند العود (المادة 489)
نص المادة 489: "إذا ظهر من حكم نهائي صادر من محكمة المخالفات أو من محضر سابق يشير إلى دفع غرامة اتفاقية أن المخالف في حالة عود يضاعف مبلغ الغرامة الجزافية عليه."[3]
إثبات العود: يظهر من مصدرين: حكم نهائي صادر من محكمة المخالفات، أو محضر سابق يشير إلى دفع غرامة اتفاقية (جزافية).
الأثر: إذا ثبت أن المخالف في حالة عود، يضاعف مبلغ الغرامة الجزافية عليه - فالعود إلى المخالفات يغلّظ الجزاء التسويلي.
الغرامة الجزافية تسامح يمارس أمام الواقعة الأولى: من قبضها فكأنه قبل تصالحاً مع المجتمع. فمن عاد فالمقصد من التسوية زال - لقد تبين أن المخالفة سلوك راسخ لا هفوة عارضة - فشُدد عليه جزافياً بالمضاعفة، حفظاً لفعالية الإجراء وردعاً للمتكررين.
رابعاً: الأعوان المخولون بقبض الغرامات (المادة 490)
نص المادة 490: "إن الأعوان الذين لهم صلاحية تسلم الغرامات الجزافية هم: ضباط ووكلاء الشرطة القضائية من الشرطة والدرك؛ الأعوان المحلفون لبعض الإدارات المنصوص عليهم بأسمائهم في قرار من وزير العدل بناء على اقتراح من الوزير التابعة له هذه الإدارات."[4]
الفئة الأولى: ضباط ووكلاء الشرطة القضائية من الشرطة والدرك - وهم الأصل في معاينة المخالفات وقبض الغرامات الجزافية.
الفئة الثانية: الأعوان المحلفون لبعض الإدارات (كالإدارات التقنية المكلفة بمراقبة المخالفات في مجال اختصاصها) - وشرط ممارستهم: النص عليهم بأسمائهم في قرار من وزير العدل بناء على اقتراح من الوزير التابعة له الإدارة.
قبض المال العام عملية حسّاسة: فلا يمنح لمجرد التكليف الإداري. النص بالاسم في قرار وزير العدل يجعل القائمة محددة ومعروفة ومراقبة - فمن ليس في القائمة لا يقبض، ومن قبض بلا صلاحية عرض نفسه للعقاب، والمخالف يعرف دائماً من يدفع له بثقة.
خامساً: انقضاء الدعوى العمومية (المادة 491)
نص المادة 491: "تنقضي الدعوى العمومية بدفع الغرامة الجزافية. غير أنه إذا كان المخالف في حالة عود وإذا كان العون محرر المحضر لم يتسلم ضعف الغرامة الجزافية المنصوص عليه فإن للنيابة العامة أن تقدم القضية إلى محكمة المخالفات وتطلب تطبيق عقوبة إضافية في الحد الأقصى القانوني."[5]
الأثر العام: تنقضي الدعوى العمومية بدفع الغرامة الجزافية - فالمخالف الذي سدد لا يتابع بعدها أمام المحكمة في ذات الواقعة.
الاستثناء - العود: إذا كان المخالف في حالة عود، ولم يتسلم العون ضعف الغرامة الجزافية المنصوص عليه (المضاعفة المقررة في المادة 489)، فللنيابة العامة أن تقدم القضية إلى محكمة المخالفات وتطلب تطبيق عقوبة إضافية في الحد الأقصى القانوني - فلا يفلت العود بتسليم الغرامة البسيطة.
مخالف سبق أن دفع غرامة جزافية عن مخالفة (محضر سابق)، ثم عاينه عونٌ في مخالفة جديدة: دفع الغرامة العادية، لكن العون لم يتسلم منه الضعف المقرر في حالة العود. حينئذ - رغم الدفع - تستطيع النيابة العامة عرض القضية على محكمة المخالفات وتطلب عقوبة إضافية في الحد الأقصى القانوني: فالمضاعفة واجبة في العود، ودفع الغرامة البسيطة لا يقفل باب الدعوى في هذه الحالة.
سادساً: الحالات المستثناة من الغرامة الجزافية (المادة 492)
نص المادة 492: "لا تطبق مقتضيات الغرامة الجزافية في الحالات التالية: إذا كانت المخالفة المثبتة تعرض مرتكبها لتعويض الأضرار التي لحقت بالأشخاص والأموال ما لم يتخل المتضرر عن هذا التعويض أو يرض بتسوية ودية؛ إذا كانت المخالفة المثبتة تعرض مرتكبها لمصادرة بعض الأشياء؛ إذا كان نص تشريعي أو تنظيمي خاص يمنع قبض الغرامات الجزافية؛ إذا وقع تحقيق قضائي."[6]
- ■تعويض الأضرار: إذا كانت المخالفة تعرض مرتكبها لتعويض الأضرار التي لحقت بالأشخاص والأموال - ما لم يتنازل المتضرر عن التعويض أو يرضَ بتسوية ودية.
- ■المصادرة: إذا كانت المخالفة تعرض مرتكبها لمصادرة بعض الأشياء.
- ■نص خاص: إذا كان نص تشريعي أو تنظيمي خاص يمنع قبض الغرامات الجزافية.
- ■التحقيق القضائي: إذا وقع تحقيق قضائي.
الغرامة الجزافية تسوية سريعة بسيطة - لا تصلح حيث توجد أبعاد تتجاوز المال: فالتعويض عن الأضرار حق الغير لا يمحوه قبض الخزينة (إلا بتنازل المتضرر)، والمصادرة جزاء عيني لا يُستبدل بمال يسير، والنص الخاص يحكمه تخصيصه، والتحقيق القضائي دلّ على أن الواقعة أخطر من أن تسوى جزافياً. فحيث تعقدت الواقعة، عادت إلى القضاء وحده.
سابعاً: متابعة المخالف أمام محكمة المخالفات (المادة 493)
نص المادة 493: "يطارد المخالف أمام محكمة المخالفات طبقاً للمقتضيات المقررة في هذا الشأن وما بعدها: إذا امتنع من دفع الغرامة الجزافية؛ في الحالات الواردة في المادة 492 والبند الثاني من المادة 491؛ إذا أثبتت المخالفة من طرف عون ليست له صلاحية قبض الغرامات الجزافية. غير أنه في هذه الحالة الأخيرة يمكن لوكيل الجمهورية أن يحيل المحضر إلى عون له الصلاحية ويأمره أن يقوم بالإجراءات الواردة في المواد من 487 إلى 490."[7]
- ■الامتناع عن دفع الغرامة الجزافية - المخالف لم يسوِّ الواقعة، فتعرض للنيابة والمحكمة.
- ■الحالات الواردة في المادة 492 (الاستثناءات: تعويض، مصادرة، نص خاص، تحقيق) والبند الثاني من المادة 491 (العود دون تسلم الضعف).
- ■إثبات المخالفة من طرف عون ليست له صلاحية قبض الغرامات الجزافية - فلا يمكن تسليمها إليه.
التصحيح الإداري: في الحالة الأخيرة يمكن لوكيل الجمهورية أن يحيل المحضر إلى عون له الصلاحية ويأمره بالقيام بإجراءات الغرامة الجزافية المنصوص عليها في المواد من 487 إلى 490 - فتُستأنف فرصة التسوية بصلاحية سليمة.
الخطأ في الاختيار إجرائي لا جوهري: الواقعة ثابتة بمحضر منتظم، والمخالف لم يرفض التسوية - فمن الإنصاف إعادة الفرصة بتسليم المحضر لعون أهل للقبض، فيدفع المخالف جزافياً وتنقضي الدعوى. فالإحالة من وكيل الجمهورية تحفظ مكتسبات المحضر وتنفذ قصد المشرع من الإجراء: التسوية حيث أمكنت، والمحكمة حيث تعذرت.
خلاصة الدرس
- ■يمكن للمخالف عند معاينة المخالفة أن يقدم غرامة جزافية (يحدد قدرها وكيفية تحصيلها بمرسوم)، ويثبت العون المخالفة في محضر موجز ويتسلمها ويعطي وصلاً (م 487).
- ■دفع الغرامة الجزافية يقتضي الاعتراف بالمخالفة ويحل محل الحكم الأول لتحديد حالة العود (م 488).
- ■إذا ظهر من حكم نهائي أو من محضر سابق بدفع غرامة اتفاقية أن المخالف في حالة عود، ضوعف مبلغ الغرامة الجزافية (م 489).
- ■المخولون بالقبض: ضباط ووكلاء الشرطة القضائية من الشرطة والدرك، والأعوان المحلفون لبعض الإدارات المنصوص عليهم بأسمائهم في قرار من وزير العدل (م 490).
- ■تنقضي الدعوى العمومية بدفع الغرامة الجزافية، غير أنه في حالة العود دون تسلم الضعف يمكن للنيابة العامة عرض القضية وطلب عقوبة إضافية في الحد الأقصى القانوني (م 491).
- ■لا تطبق الغرامة الجزافية عند التعرض لتعويض الأضرار (إلا بتنازل أو تسوية ودية)، أو المصادرة، أو نص خاص يمنع القبض، أو وقوع تحقيق قضائي (م 492).
- ■يطارد المخالف أمام محكمة المخالفات عند الامتناع عن الدفع، وفي الحالات الواردة في المادة 492 والبند الثاني من المادة 491، وعند إثبات المخالفة من عون غير مخول - مع جواز إحالة المحضر من وكيل الجمهورية إلى عون مخول للقيام بإجراءات المواد من 487 إلى 490 (م 493).

