الاعتقال والحبس الاحتياطي وتنفيذ العقوبات السالبة للحرية
مبدأ قانونية الاعتقال وسنده القضائي ومؤسسات وزارة العدل، وأثر الحبس الاحتياطي وخصمه من العقوبة، والأوامر الضرورية أثناء مدته، وتنفيذ العقوبات السالبة للحرية وتوزيع المحكوم عليهم والشغل الإجباري - المواد 642 إلى 647 من قانون الإجراءات الجنائية.
في هذا الدرس ستتعلم
- ■مبدأ قانونية الاعتقال: لا حرمان من الحرية إلا بسند قضائي، ولا اعتقال إلا بمؤسسات سجنية تابعة لوزارة العدل (المادة 642).
- ■أثر الحبس الاحتياطي ابتداء من يوم الإيداع، وخصم مدته من العقوبة المحكوم بها.
- ■الأوامر الضرورية أثناء مدة الحبس الاحتياطي وأصحاب الاختصاص بإصدارها (المادة 643).
- ■تنفيذ الحبس الاحتياطي: ناحية خاصة، والعزل عن المحكوم عليهم، والحبس الفردي (المادة 644).
- ■تنفيذ العقوبات السالبة للحرية: نواح مختلفة ومعايير التوزيع (المادتان 645 و646).
- ■الشغل الإجباري وتوزيع محصولاته حسب قواعد مقررة بمرسوم (المادة 647).
أولاً: مبدأ قانونية الاعتقال (المادة 642)
نص المادة 642: "لا يمكن حرمان شخص من حريته إلا بمقتضى سند صادر عن السلطة القضائية يأمر باعتقاله احتياطياً أو بناء على سند يأمر بتنفيذ قرار حائز على قوة الشيء المقضى به صادر عن هيئة قضائية يقضي عليه بعقوبة السجن أو الحبس أو الاعتقال أو الإكراه البدني، مع مراعاة مقتضيات المادتين 57 و58 المتعلقتين بالوضع تحت الحراسة النظرية. لا يمكن الاعتقال إلا بمؤسسات سجنية تابعة لوزارة العدل. إن الحبس الاحتياطي للمتهمين ينتج أثره ابتداء من يوم الإيداع في السجن مهما كان الإجراء الذي سبب إدخاله السجن. إذا حكم بعقوبة الحبس فإن مدة الحبس الاحتياطي تخصم من مدة هذه العقوبة."[1]
أولاً: سند الحرمان من الحرية
قاعدة حصرية السند: لا يمكن حرمان شخص من حريته إلا بمقتضى سند صادر عن السلطة القضائية، وهو أحد سندين:
- ■سند يأمر باعتقاله احتياطياً (كأمر الإيداع الصادر من قاضي التحقيق).
- ■أو سند يأمر بتنفيذ قرار حائز على قوة الشيء المقضى به صادر عن هيئة قضائية يقضي عليه بعقوبة السجن أو الحبس أو الاعتقال أو الإكراه البدني.
الاستثناء - الحراسة النظرية: مع مراعاة مقتضيات المادتين 57 و58 المتعلقتين بالوضع تحت الحراسة النظرية، وهي الحالة الاستثنائية التي يُحرم فيها المشتبه فيه من حريته قبل أي سند قضائي، لمدة محددة ولأغراض التحقيق الميداني.
ثانياً: مؤسسات الاعتقال
لا يمكن الاعتقال إلا بمؤسسات سجنية تابعة لوزارة العدل؛ فالسجن مؤسسة عمومية خاضعة للسلطة القضائية والإدارية المختصة، ولا وجود لسجون خاصة أو تابعة لجهات أخرى.
ثالثاً: أثر الحبس الاحتياطي والخصم
بداية الأثر: الحبس الاحتياطي للمتهمين ينتج أثره ابتداء من يوم الإيداع في السجن مهما كان الإجراء الذي سبب إدخاله السجن.
الخصم الإجباري: إذا حكم بعقوبة الحبس، فإن مدة الحبس الاحتياطي تخصم من مدة هذه العقوبة - فلا يُعاقب المتهم مرتين عن المدة التي قضاها في الاعتقال الاحتياطي.
لأن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة بل إجراء مؤقت لضمان التحقيق؛ فإن أفضى التحقيق إلى إدانة، كان العدل أن تُحسب المدة المقضية في هذا الحبس ضمن العقوبة النهائية، حتى لا يكون المتهم المتابع وقد حكم عليه أشد حالاً ممن حبس مباشرة بعد الحكم.
أودع (ر) السجن احتياطياً بتاريخ 1 مارس، واستمر حبسه إلى 1 يونيو (ثلاثة أشهر)، ثم حكم عليه بالحبس سنة واحدة؛ فتخصم الأشهر الثلاثة من السنة، فلا يبقى عليه إلا تسعة أشهر - مهما كان الإجراء الذي سبب إدخاله السجن في البداية.
ثانياً: الأوامر الضرورية أثناء مدة الحبس الاحتياطي (المادة 643)
نص المادة 643: "لكل من قاضي التحقيق ورئيس محكمة الجنح ورئيس المحكمة الجنائية ووكيل الجمهورية والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف أن يعطي في مدة الحبس الاحتياطي جميع الأوامر الضرورية، سواء كان ذلك لحاجيات التحقيق أو لغير ذلك من الإجراءات."[2]
أصحاب الاختصاص الخمسة: قاضي التحقيق، ورئيس محكمة الجنح، ورئيس المحكمة الجنائية، ووكيل الجمهورية، والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف - فهؤلاء جميعاً يمكنهم إصدار الأوامر خلال مدة الحبس الاحتياطي.
نطاق الأوامر: كل الأوامر الضرورية سواء كانت لحاجيات التحقيق (كأوامر استخراج المتهم للمواجهة أو إحضاره) أو لغير ذلك من الإجراءات المتعلقة بتنظيم الحبس ومتابعة المتهم.
لأن الحبس الاحتياطي يمر بمراحل مختلفة - تحقيق ابتدائي، ثم إحالة ومحاكمة، ثم استئناف - وكل جهة تتولى مرحلة منها؛ فاشتراك هذه الجهات في إصدار الأوامر يضمن عدم توقف الإجراءات الضرورية أثناء الحبس مهما كانت المرحلة التي بلغها الملف.
ثالثاً: تنفيذ الحبس الاحتياطي (المادة 644)
نص المادة 644: "يقضي المتهمون المحبوسون احتياطياً مدة حبسهم الاحتياطي في ناحية خاصة من السجن المعتقلين فيه. ويعزلون عن المحكوم عليهم، إذا أمكن ذلك، ويمكن أن يطبق عليهم نظام الحبس الفردي إذا أمر بذلك القاضي المختص."[3]
الناحية الخاصة: يقضي المتهمون المحبوسون احتياطياً مدة حبسهم في ناحية خاصة من السجن الذي اعتقلوا فيه، لا يختلطون فيها بسائر النزلاء.
العزل عن المحكوم عليهم: يعزل المحبوسون احتياطياً عن المحكوم عليهم إذا أمكن ذلك - لاختلاف وضعيتهم: فالمحبوس احتياطياً يفترض فيه البراءة، بينما المحكوم عليه دانته المحكمة.
الحبس الفردي: يمكن أن يطبق عليهم نظام الحبس الفردي إذا أمر بذلك القاضي المختص - فهو قرار قضائي تقديري، لا يطبق تلقائياً.
لأن المحبوس احتياطياً مفترض البراءة ولم يصدر في حقه حكم بعد؛ فاختلاطه بالمحكوم عليهم قد يعرضه لتأثيرهم ويعاقبه فعلياً قبل الإدانة. والعزل تجسيد عملي لهذا المبدأ، وهو أيضاً حماية للمحبوسين من الضغط والمضايقات داخل السجن.
العزل مقرون بقيد "إذا أمكن ذلك" - أي بحسب إمكانيات المؤسسة السجنية؛ فإذا تعذر توفير ناحية خاصة لضيق المؤسسة، فإن الالتزام يسقط عملياً، لكنه يبقى هدفاً واجب السعي لدى الإدارة السجنية.
رابعاً: تنفيذ العقوبات السالبة للحرية وتوزيع المحكوم عليهم (المادتان 645 و646)
نص المادة 645: "يعتقل المحكوم عليهم بعقوبة جنائية أو جنحية أو بسبب المخالفات في نواح مختلفة من مؤسسة السجن إذا أمكن ذلك."[4]
نص المادة 646: "يقع توزيع المحكوم عليهم في السجون المعدة للعقوبة حسب نوع الجريمة والسن والجنس والحالة الصحية والشخصية."[5]
المادة 645 - نواح مختلفة: يعتقل المحكوم عليهم بعقوبة جنائية أو جنحية أو بسبب المخالفات في نواح مختلفة من مؤسسة السجن إذا أمكن ذلك، تفريقاً بين فئاتهم حسب جسامة الإدانة وطبيعتها.
المادة 646 - معايير التوزيع الخمسة: يقع توزيع المحكوم عليهم في السجون المعدة للعقوبة حسب:
- ■نوع الجريمة - فجناة القانون العام لا يختلطون بجناة الجرائم الخاصة.
- ■السن - فصل القاصرين عن الكبار.
- ■الجنس - فصل الرجال عن النساء.
- ■الحالة الصحية - مراعاة المرضى وذوي الحالات الخاصة.
- ■الشخصية - مراعاة شخصية المحكوم عليه وسوابقه وسلوكه.
الغاية مزدوجة: حماية السجناء بعضهم من بعض (فالقاصر لا يختلط بالجناة المخضرمين، والمرأة لا تعتقل مع الرجال)، وتكييف نظام الاعتقال مع أوضاع كل فئة (فالمريض يحتاج رعاية خاصة) - والتوزيع وسيلة من وسائل إصلاحية السجون كما تقررها السياسة الجنائية الحديثة.
خامساً: الشغل الإجباري (المادة 647)
نص المادة 647: "يرغم على العمل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية من أجل وقائع موصوفة بأنها جناية أو جنحة من جرائم القانون العام. ويقع توزيع محصولات عمل كل محكوم عليه حسب قواعد مقررة بمرسوم."[6]
من يرغم على العمل: المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية من أجل وقائع موصوفة بأنها جناية أو جنحة من جرائم القانون العام - أي جرائم الفصل الأول من القانون الجنائي (الجرائم ضد الأشخاص والأموال والأمن العام...) دون الجرائم الخاصة المنظمة بقوانين مستقلة.
توزيع المحصولات: يقع توزيع محصولات عمل كل محكوم عليه حسب قواعد مقررة بمرسوم، يحدد النصيب الذي يخصص من عائد العمل للسجين ولخزانة الدولة وللصندوق المساعد على إعادة الإدماج.
لأن العمل في السجون وسيلة إصلاحية تهدف إلى ثلاث غايات: تأهيل المحكوم عليه وتكوينه مهنياً ليسهل إدماجه بعد الإفراج، وتفادي بطالة السجن وآثارها النفسية، والمساهمة في تغطية جزء من تكاليف إيوائه - فلا يكون السجن مدرسة إجرامية بل ورشة إعادة تأهيل.
حكم مستفاد: الإرغام على العمل طبق المادة 647 يشمل جرائم القانون العام (الجنايات والجنح)، أما المحكوم عليهم بسبب المخالفات فالأصل ألا يرغموا على العمل إلا وفق القواعد الخاصة المنظمة لعمل مؤسسات السجون.
حكم على (ع) بجناية سرقة مؤهلة بعقوبة سالبة للحرية؛ أودع السجن ووُضع في ورشة النجارة بالمؤسسة. في نهاية الشهر، يوزع محصول عمله حسب قواعد المرسوم: قسط يدفع له، وقسط للخزينة، وقسط للصندوق المساعد على إعادة إدماج السجناء.
خلاصة الدرس
- ■لا حرمان من الحرية إلا بسند صادر عن السلطة القضائية (اعتقال احتياطي أو تنفيذ قرار حائز لقوة الشيء المقضى به)، ولا اعتقال إلا بمؤسسات سجنية تابعة لوزارة العدل، مع مراعاة المادتين 57 و58 الخاصة بالحراسة النظرية.
- ■ينتج الحبس الاحتياطي أثره ابتداء من يوم الإيداع في السجن مهما كان سبب الإدخال، وتخصم مدته من العقوبة المحكوم بها.
- ■لقاضي التحقيق ورئيس محكمة الجنح ورئيس المحكمة الجنائية ووكيل الجمهورية والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف إعطاء جميع الأوامر الضرورية أثناء مدة الحبس الاحتياطي.
- ■يقضي المحبوسون احتياطياً في ناحية خاصة ويعزلون عن المحكوم عليهم إذا أمكن ذلك، ويجوز تطبيق الحبس الفردي بأمر من القاضي المختص.
- ■يعتقل المحكوم عليهم في نواح مختلفة من مؤسسة السجن، ويوزعون حسب نوع الجريمة والسن والجنس والحالة الصحية والشخصية.
- ■يرغم على العمل المحكوم عليهم بجناية أو جنحة من جرائم القانون العام، وتوزع محصولات عملهم حسب قواعد مقررة بمرسوم.

